فرضية حتمية الوطن، أو التغيير

أحد, 10/18/2020 - 13:45

"الدولة يجب ان تكون خادمة لنا، لا أن نكون نحن عبيدا لها" 
آلبرت أينشتاين .
*** 
إن اسوأ مرحلة يصلها أي وطن حين يشعر غالبية سكانه بأن الدولة قد رفعت أو ضمرت بشكل واضح، وتورمت على حسابها فواعل غير دولتية، كالمحسوبية والزبونية والوساطة وسلطة المال والوشائج والمصالح السياسية، إضافة الى انتفاخ القبلي والاجتماعي على حساب ما هو عضوي تعاقدي في الدولة.
في هذه المرحلة بالذات يكون ما ذهب إليه نيتشه بشأن القوة هو الحل للجميع، الذي لن يدخل مباشرة في حرب الكل ضد الكل على وصف هوبز، ولكن على الاقل يظهر بوضوح التمترس  في تحيزات حرجة، لحماية النفس ولسد فراغ الدولة الذي يحول الاغلبية السياسية الى اغلبية إثنية، ويجعل من المهمشين في سلم المال والمجتمع ، اقليات بالمعنى السياسي للكملة ومواطنين من درجة دنيا.
ويبرز هنا ما يراه جورج بوردو في اهمية الدولة "أن لا نخضع لبعضنا البعض"، ولكن في سياق لا يمثل فيه مدى مؤسسات الدولة شيء يذكر في الفضاء العام، فتتحول المواطنة والعدالة الاجتماعية والمساواة هي الاخرى في جزء من الوضع السياسي المعقد والحرج وتشمل في المطالب، في الوقت الذي كان من المفروض فيه ان تكون حقا طبيعيا للجميع.
في بلد كموريتانيا وبالنظر الى الهشاشة العامة الناجمة عن ضعف البنية التحتية المؤسسية وغياب التنمية الفاعلة والحيوية التي تمس الجميع، إضافة الى التعدية الثقافية التي تعيق مسألة الحوار بطريقة نسمع فيها بعضنا -على الأقل-، نظرا للحواجز اللغوية والبنيوية المتعلقة بالنية الترابية للمجتمع والتحيزات الناجمة عنها، تضع هذه المؤشرات وغيرها كثير البلاد في وضع معقد جدا.
وهو ما ينعكس على وقفة القنفذ التي تظهرها بعض طبقات المجتمع ولا أقول الشرائح فقط، بناء على الوضع الاجتماعي القائم، كحراك "اعريلي بوك" الجارف الذي يكاد يتجول مع الوقت إلى ظاهرة ثورية في رد على كل بروز لغلواء الفواعل الاجتماعية والقلبية على حساب ضمور مؤسسية الدولة في ظروف ك"التعيينات، الوساطات، التدخلات في عمل القانون ...الخ"
إن عمق المشكل الآن لا علاقة له على الاطلاق بالحراك الحقوقي البادي للعيان او حالة عدم الرضى التي تظهر الميديا الاجتماعية، أو حتى ردود الفعل الواسعة من الشباب من مختلف شرائج الوطن، فالمسالة في عمقها هي تذمر من ضمور الدولة لصالح فاعلين آخرين، وهو ما يجعل مسالة الرفض أو المطالب المقدمة هي حراك ساعي إلى عدم الخضوع للآخرين، فما يشعر به جل الشباب اليوم انهم يخضعون لسيطرة طغمة  مصالح معينة "أسرية واجتماعية، جماعات ضغط" تتحكم في التعيينات والتوظيف وغير ذلك من خيرات الوطن، وهو ما يجعل هذا التذمر بحاجة الى أن يكون قويا مقابل مجموعات ضغط تؤكد يوما بعد يوم انها تتحكم في كل شيء.
القوة التي تحتاج مثل هذه التحركات هي تكتيل المصالح وتجميعها في عريضة واحدة وعلى منصة واحدة أي تكوين أكبر كتلة ممكنة من أصحاب الحقوق، فمشكل، حقوق النساء والفساد والفقر والتهميش والصحة ووضع التعليم ...الخ، السبب الرئيس فيه هو إرادة الدولة ووجود سياسات عامة لسد هذا الفراغ.
 وهو ما يؤشر أن الحكومات لها أولويات أخرى غير أولويات المواطن، وهذا التعارض يفرض أن يكون هناك طرف خاضع في هذا الوضع السلطوي على لغة مشيل فوكو الذي يرى أن الوضع السلطوي يعيش حالة من الصراع والتقلب غير ثابتة، والآن اصبحت القوى الاجتماعية في وضع مواجهة مع طغمة المصالح المستندة على "الوقاحة السياسية حسب ما يسميها خالد عبد الودود، وهو نوع من التبريرية الجوفاء للوضع القائم مهما كان سيئا والاستماتة في الدفاع عن الأنظمة مهما كانت فاشلة".
هذا الوضع يرجح فيه تغلب الطرف العام على اصحاب المصالح نظرا لقوة الظهير الاعلامي المتمثل في الميديا الاجتماعية والمدعوم بعدوى التثوير وكسر حواجز الخوف، الوضع الذي ساهم في زيادة اصحاب المظالم والمصالح الذي يرفضون تورم سطوة طغمة المصالح على حساب الوطن الجامع.
للعبرة...
كان بإمكان رييو عدم الاتصال بطوكيو وتستمر الأمور في حياة كل منهما، ولكن في الحقيقة الانسان بطبعه يشتاق لوطن معين ومحدد، وهذا بالضبط هو واقعنا في موريتانيا نحن أيضا نشاق لهذا الوطن بالذات ونريد عودته حتى ولو كلفنا ذلك نفس مصير، رييو (الاعتقال والتعذيب).
#تبصير_سياسي