مالي: بين إخفاق الاستراتيجية الفرنسية لمكافحة الإرهاب و الخيارات الجديدة

خميس, 10/27/2022 - 09:57

مقدمة:
تعتبر الأزمة في مالي جد معقدة نتيجة تداخل عدة عوامل منها الداخلي والإقليمي والدولي، فرغم العامل الداخلي المتعدد الأبعاد والذي يهدد الدولة المالية في كيانها ويطرح التساؤلات حول قابليتها للبقاء، وكيفية المحافظة على حدودها ووحدتها الترابية، إلا أن الأزمة تجثم بظلالها كذلك على الدول المجاورة لمالي وعدة دول أخرى في الساحل وفي الجوار الإفريقي، ففيما تتفاقم الأزمة في هذه الدولة تصبح التداعيات بالنسبة للدول المجاورة أشد تأثيرا، فدول شمال إفريقيا ودول الساحل ليست محصنة أمام العوامل المخلة بالأمن والمهددة له التي تنطلق من شمال مالي ، و التي تتعدد أسبابها و يتعدد الفاعلون فيها ، فإضافة إلى الحركات الطوارقية المطالبة بالاستقلال عن مالي ، و التي تجد عمقها و روابطها الممتدة في النيجر و في أتشاد و حتى في ليبيا ، و تقود حربا تحريرية منذ الستينات من القرن الماضي ، هناك أيضا الحركات الجهادية بمختلف مشاربها ، إضافة إلى نشاط تجار المخدرات و السجائر في تلك المناطق .
ما جعل الإرهاب الذي يعد أحد الأسباب الأساسية للأزمة ، يتجذر في المنطقة وتتعدد طرقه وآلياته، دون أن تكون الجهود المختلفة التي تم القيام بها من أجل مكافحته ناجعة أو ذات مردودية في كبح جماحه، و من أبرز هذه الجهود التدخل الفرنسي في مالي الذي عقب تفجر الأزمة في عام 2012 ، و الذي ساعد آنذاك في إيقاف توغل الهجوم على العاصمة ، بل ساعد في استرداد بعض المدن التي سيطر عليها الانفصاليون الطوارق مدعومين ببعض القوى الإسلامية ، إلا أنه سيفشل في تحقيق الأمن ، و يخفق في مساعدة الدولة على بناء تنمية و حياة سياسية طبيعية ، قبل أن ينتهي بانسحاب غير مبرمج في عام 2021 م ، و ذلك ما سنستجلي كنهه في هذا البحث .
سنتعرض للتدخل الفرنسي في مالي ، متحدثين عن الأسباب الرئيسية له ، عن أهم مراحله و عن نتائجه ، قبل أن نتناول بالتحليل الانسحاب من هذه الدولة و تداعياته عليها و على الأمن في منطقة الساحل ، و ما هي السيناريوهات المحتملة و المستقبلية للأمن الإقليمي في هذه البقعة من القارة الإفريقية و تأثيرات الموقف الفرنسي الجديد ، خصوصا بعد دخول لاعبين جدد في الساحة .
1/ مالي على أبواب الأزمة الأمنية .
عرفت مالي بعد سنوات قليلة من الاستقلال العديد من المشاكل، فإضافة إلى المشاكل الهيكلية التي عانتها الدول المستقلة حديثا في تعميم التعليم و الصحة و بناء إدارة مستقلة عن المستعمر الفرنسي، الذي حاول أن يبقي على الروابط قوية مع مستعمراته القديمة.. فظهرت في المناطق الشمالية من مالي دعوات انفصالية لدى مكونات سكانية مثل الطوارق و العرب ، و نتيجة إخفاق الدولة في تنمية هذه المناطق و إيصال الخدمات الأساسية لها ، فقد بقيت على قطيعة مع السلطة المركزية و تنامى فيها التذمر و تعددت الشكاوى من تفشي الفقر و الجهل و انعدام الصحة و التعليم و الأمن ، ما ولد حركات انفصالية و دعوات للاستقلال عن مالي ، منذ عام 1963 ( 1).
تزعمت هذه الدعوة الانفصالية الحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA) و تتكون في غالبيتها من الطوارق و تدعوا للاستقلال عن مالي و لها جناحان عسكري و سياسي ، و قد كانت تتلقى الدعم من ليبيا و استفادت من الفوضى التي عقبت سقوط الدولة الليبية فحصلت على الكثير من الأسلحة المتطورة كما استفادت من عودة بعض الضباط الطوارق الذين خدموا في الجيش الليبي ، إضافة إلى العمق الطوارقي و امتداداته بين سكان عدة دول مجاورة ما شكل دعما قويا لهذه الحركة عبر تاريخها و قاعدة خلفية لها.(2)
هذه الحركات المختلفة ذات المطالب المتفرقة ، وحدها مطلب الاستقلال عن مالي و إنشاء كيان مستقل تشعر فيه بهويتها و بخصوصيتها ، الأمر الذي نتجت عنه أزمات متلاحقة مع مختلف الأنظمة المتعاقبة في باماكو ، أزمات متلاحقة غذاها الفساد وعجز الدولة عن بناء وطن موحد، إضافة إلى الإخفاق في التنمية وفي ترسيخ الديمقراطية التي كانت تعد السبيل الأمثل لتوحيد شعب يعاني من التفرقة والتعدد الإثني والقومي والديني، ويعاني كذلك من تضارب المصالح فيه ، ما جعل الروح الوطنية والشعور بالانتماء للوطن غائبين لدى الكثيرين.(3)
بدأت الأزمة تشتعل في مالي عام 2012 حينما قامت مجموعة من العسكريين بالانقلاب على الرئيس المالي “امادو تومانى تورى” في مارس 2012، بحجة أنه قد اخفق في تجهيز الجيش وأنه قد فشل في حسم الصراع بين الطوارق المتمردين في الشمال المالي الذي يضم مدن تمبكتو وغاو وكيدال ، ثم استغل الطوارق فرصة الانقلاب على تومانى الذي كان يمثل شوكة في حلقهم و بدأوا في تكوين حلف خاص بهم .. يسعى لتحقيق الاستقلال الذاتي لشمال مالي الذي يدافعون فيه عن هويتهم التي تحاول الحكومة المالية طمسها(4) ففي هذه المرة أستطاع الطوارق توحيد هدفهم و توحيد صفوفهم ، إضافة إلى اغتنامهم فرصة التمرد العسكري و انشغال السلطات في باماكو به ، ما أعطاهم أفضلية المباغتة و التقدم السريع و السيطرة على المدن الكبرى في الشمالي المالي و من ثم إعلان الاستقلال في هذه المناطق .
2/ التدخل الفرنسي في مالي، و الاستعمار الجديد.
لا يمكن الحديث عن التدخل الفرنسي في مالي بمعزل عن علاقة فرنسا بمالي و بدول الساحل عموما، و كذلك عن السياسة التي كانت تنتهجها فرنسا في المنطقة، و الرؤية الإستراتيجية المتبعة من طرف فرنسا للحفاظ على مصالحها المتعددة في المنطقة.
فقد استعمرت فرنسا إفريقيا الغربية بما فيها دول الساحل طيلة القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين ، و عندما منحت هذه الدول الاستقلال أبقت على علاقات خاصة و على حضور قوي في سياسة و تنمية تلك الدول ، ما جعل البعض يسمي هذه الدول بالحظيرة الخلفية لفرنسا و مصالحها.
- فرنسا و إفريقيا:
ظلت فرنسا تحافظ على علاقات وطيدة مع إفريقيا من خلال شبكة ( فرانس أفريك ) التي تحدد ملامح السياسات الاستعمارية النيوكلونيالية من أجل الدفاع عن "الفناء الخلفي" الإفريقي، والذي ظل أولوية تخطيطية أساسية لكل الحكومات الفرنسية (5)، و قد أقامت هذه الشبكة علاقات بالسياسيين و المثقفين ورجال الأعمال الأفارقة ، مستخدمة الجهود الثقافية و اللغوية لمنظمة لفرانكفونية الدولية ، و بقاء الكثير من الدول الإفريقية مرتبطة بفرنسا من خلال ( الفرنك الغرب إفريقي CFA) و كذلك عن طريق وكالة التعاون الفرنسي التي كانت الذراع الاقتصادية و التمويلية لفرنسا في هذه الدول.
لقد ظلت فرنسا تولي أهمية خاصة للغرب الإفريقي باعتباره يمثل بعدا استراتيجيا و عمقا أمنيا لها ، حيث تواجدت فيه من خلال بعض القواعد العسكرية ، و كذلك من خلال حضور الشركات الفرنسية الخاصة ، و المنظمات غير الحكومية الفاعلة في عدة مجالات حيوية، (كما ظلت منطقة الساحل الغربي الأفريقي، الممتدة من تشاد شرقا إلى موريتانيا غربا، تاريخيا تشكل أهمية إستراتيجية كبيرة لفرنسا، وغيرها من الدول الكبرى، ويرجع المراقبون ذلك إلى سببين، أولهما، يتمثل في ظهور حركات الإسلام السياسي بمختلف درجاتها، المعتدلة والمتشددة في تلك المنطقة، بداية من دول المغرب العربي في الشمال، مرورا بالجنوب حيث النيجر، ومالي، وأخيرا أفريقيا الوسطى، وجنوب ليبيا)(7) ، فهذه المنطقة قريبة جغرافيا من أوروبا التي تحاول بناء طوق أمني على حركات الإسلام السياسي حتى لا تصل أوروبا أو حدودها المباشرة ، كما أنها تعد من روافد الهجرة السرية نتيجة ظروف الساكنة و عدم الاستقرار الذي تشهده أغلبية البلدان ، إضافة إلى كونها ممرا لتجارة المخدرات التي تصل على أوروبا.
أما السبب الثاني، فهو يرجع إلى رغبة الدول الكبرى في الاستفادة القصوى من الثروات الطبيعية في تلك المنطقة، بما في ذلك اليورانيوم الذي يستخدم في إنتاج الطاقة النووية، فضلا عن الثروات الطبيعية مثل الماس والذهب والنفط . و انطلاقا من ذلك، حرصت فرنسا على إعادة تواجدها العسكري في المنطقة بطريقة مكثفة حفاظا على مصالحها(8)، كل هذه المصالح السياسية و الاقتصادية جعلت فرنسا تتبنى سياسة الحضور القوي، و التواجد عن طريق قواعد عسكرية في العديد من مناطق إفريقيا، و الاستعداد للتدخل إذا ما دعت الحاجة.
- فرنسا و التدخل المباشر في إفريقيا
إنبنت إستراتيجية فرنسا على التواجد العسكري في بعض الدول الإفريقية من خلال قواعد عسكرية على الأرض تضم مختلف الأسلحة الضرورية للتدخل السريع في حالة تهديد الأمن أو المصالح الفرنسية ، و كذلك ربطتها اتفاقيات عسكرية مع العديد من الدول تتيح لها تواجد بعض الخبراء و التوفر على المعلومات الاستخبارية الضرورية و قد وظفت فرنسا هذا الحضور في مرات عدة و لأغراض مختلفة.
لم يقتصر الحضور العسكري الفرنسي على دول الساحل و على غرب إفريقيا و إنما شمل مناطق متفرقة من القارة في جلها كانت تابعة للاستعمار الفرنسي، ففرنسا تمتلك 6 قواعد عسكرية ثابتة في القارة الأفريقية، أبرزها 3 قواعد في غرب أفريقيا إحداها في داكار “السنغال”، وأخرى في الجابون، والثالثة في أبيدجان عاصمة ساحل العاج، فضلا عن القاعدة العسكرية الموجودة في جيبوتي، وفي بانجي في أفريقيا الوسطى، ونجامينا عاصمة تشاد، بينما تتواجد بأحجام مختلفة في دول أفريقية أخرى مثل النيجر ومالي وموريتانيا. وهى تسعى من خلال تلك القواعد إلى تأمين منطقة شمال إفريقيا من أي أنشطة إرهابية، من خلال صد هجمات الجماعات المسلحة في إفريقيا .. بسبب إمكانية انتقال تلك الهجمات إلى الحدود الأوروبية، وكذلك من اجل تقليص تجارة المخدرات و التي قد تمتد إلى أوروبا أيضا، و أيضا من أجل تأمين طرق التجارة القانونية عبر الصحراء الإفريقية.(9)
وظفت فرنسا هذه القوة و استغلت هذا التواجد عبر تاريخها في القارة ، فقد تدخلت عدة مرات و في دول إفريقية مختلفة و لأسباب متفرقة و متعددة ، كان ناظمها الوحيد هو الحفاظ على المصلحة الفرنسية ، و لو كلف ذلك فرض رأي مخالف لشعوب تلك الدول أو واقع جديد لا تقرره سياسة الدولة التي يتم فيها التدخل ، ( فمنذ 1960 تدخّلت فرنسا أكثر من أربعين مرّة في نزاعاتٍ أفريقية وأزماتٍ داخلية في بلدانٍ أفريقية كانت مستعمرات لها، وتشير مراجعة سريعة لمسوّغات تدخّلات فرنسا العسكرية إلى أنّه لا يمكن إجمال هذه المسوغات في إطارٍ واحد، فأحيانًا كانت تتدخّل لفائدة أنظمةٍ سلطويّة أو ديكتاتورية، وأحيانًا أخرى لفائدة تحوّلات ديمقراطية، ومرّات لمساندة جانبٍ سياسي على حساب آخر، بيد أنه كانت مصالح فرنسا دائمًا الدافع الثابت لتدخّلاتها العسكرية في أفريقيا بمسوغات متغيّرة، فقد حاربت في تشاد، واشتركت في الحرب مع ليبيا، وساندت الأنظمة في جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى في مواجهة المتمردين، ومنعت الانقلاب في جزر القُمر، وتدخلت في ساحل العاج لتمكين المنتخب الرئاسي الفائز في الانتخابات الرئاسية حسن وتارا من توليه السلطة، وغيرها.(10)
- التدخل الفرنسي في مالي و الخطوات المستعجلة.
رغم الطابع الاستعجالي للتدخل الفرنسي في مالي عام 2013 ، إلا أن فرنسا أعدت له الصيغة القانونية الدولية ابتداء من استصدار قرارات من الأمم المتحدة و مجلس الأمن ، و كذلك التنسيق مع الحلفاء الدوليين ، و دول الجوار التي تعهدت بالمشاركة في تلك العملية ، كدول الإكواس و كذلك دول الساحل لاحقا.( كان قرار مجلس الأمن الدولي في يناير 2013 مطالبا بانتشار قوات دولية لمواجهة الوضع المتدهور في مالي بعد سيطرة الجماعات المتطرفة على شمال البلاد وزحفهم للعاصمة تنفيذا للقرار 2085، وعلى الرغم من أن قرار مجلس الأمن نص على عدم مشاركة القوات البرية للاتحاد الأوروبي مباشرة في العمليات وتأمين الدعم اللوجيستي للقوات الأفريقية وجيش مالي، إلا أن فرنسا لم تنتظر طويلا حيث اتخذت قرارا سريعا بالتدخل العسكري لمساعدة القوات المالية في عملية عسكرية أطلق عليها “القط المتوحش/سرفال”)(11).
لكن تقدم القوات الانفصالية كان حاسما ،حيث بدأت تكسب مدنا جديدة بسرعة ، حتى أصبحت الأولوية هي تحصين العاصمة باماكو ، و تفادي انهيار الدولة المالية و الجيش المالي ، خصوصا في ظل الانقلاب و عدم الاستقرار الداخلي و كثرة المظالم و التنمر من الوضع ، لذلك جاءت الخطة الفرنسية عاجلة و حاسمة ،فبدأ تصوير المشهد في مالي على أنه حالة من الاستنفار والتعبئة الدولية للمشاركة في حرب عالمية جديدة على الإرهاب، ولكن هذه المرة ليست في أفغانستان، أو العراق، بل حرب داخل القارة الإفريقية، فاعتمدت فرنسا في تدخلها على قواتها وعتادها الموجود مسبقًا في القارة الأفريقية، حيث لجأت إلى المروحيات التابعة للقوات الخاصة، ومقرها في بوركينافاسو، وطائرات«ميراج» متمركزة في تشاد، وأربع مقاتلات «رافال» من إحدى القواعد الفرنسية في الخليج انضمت إلى القتال لتعزيز القدرات الجوية.(12) لذلك كان الهجوم المضاد للقوات الفرنسية هو الآخر سريعا و حاسما نتيجة التفوق الجوي ، و الضربات الجوية المركزة و التي طالت جميع الأماكن التي كانت تتمركز فيها القوات المهاجمة فتم استرجاع المدن الكبرى و تم تثبيت قواعد عسكرية على الأرض.
إلا أن المعارك لن تنتهي في تلك الفترة و ستتخذ الحرب لبوسا جديدا ، جعل فرنسا تغوص في وحل الحرب طويلة الأمد ، و التي تختلف تقنياتها و تكتيكاتها عن الحروب التقليدية ، فالحرب مع الجماعات المسلحة لها طرقها الخاصة التي جربت في عدد من الدول كأفغانستان و العراق ، فالعدو لا يتواجد في معسكرات يمكن الهجوم عليها بطائرات ، و إنما هو متواجد في المدن و القرى حيث تتواجد الجيوش و الأهداف الإستراتيجية و يقوم بعمليات انتحارية و عمليات نوعية لا تتوفر حتى الآن طريقة فاعلة في تفاديها.
3/ الحالة المعقدة في مالي و الحلول الفاشلة :
طيلة السنوات التي استمرت فيها الحرب في مالي و منذ سنة 2013 و حتى الآن ، لم تستطع فرنسا و الجيوش المساندة لها أن تحقق الأمن الذي وعدت به ، لا لنفسها و لا للمواطن المالي ، كما أنها لم تستطع أن تساعد في تغيير واقع المواطن المالي البسيط فلم تهتم بالتنمية و لا بتحسين ظروف المواطن ، و لم تستطع أن تحقق مطالب المواطن الطوارقي في الشمال المالي و الذي تدور الحرب على أرضه و يتعرض للمضايقة و الظلم من الطرفين ، من الجيش المالي المدعوم من فرنسا و من المسلحين الإسلاميين الذي يهجمون القرى و يستبيحون ما فيها.
كما أن فرنسا لم تستطع كذلك تدعيم الحكومات في باماكو ، فعجزت عن الوقوف في وجه الانقلابات المتعددة التي حدث في مالي خصوصا في السنوات الأخيرة فهي كما يقول المثل ( لم تضر عدوا و لم تنفع صديقا ) ، فبدأت مشاعر الماليين تتغير اتجاه فرنسا فبعد أن كانت المخلص لهم من هجمات الانفصاليين عام 2013 ، أصبحت تكرس العجز عن توفير الأمن و الاستقرار، بل أصبحت هي الهدف من الحرب عن طريق تواجد جيوشها و قواعدها العسكرية ، فتنامى شعور شعبي قوي بمناهضة هذا الوجود و الدعوة القوية إلى رحيل القوات الفرنسي (وعلى الرغم من أن فرنسا لا تزال الدولة الغربية الوحيدة التي لها وجود عسكري كبير في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، إلا أن علاقتها بمستعمراتها الإفريقية السابقة تزداد توترًا منذ عدة سنوات. وقد أدَّى ذلك إلى زيادة واضحة في المشاعر المعادية للفرنسيين؛ كما تُبرزها الحركات الشعبية والاجتماعية المناهضة للوجود الفرنسي في مالي والنيجر وتشاد، وإلى حدّ ما في السنغال).(13)هذا الفشل في توفير الأمن ، و الناتج عن إخفاق الإستراتيجية الفرنسية في المنطقة ، و إغفالها لمطالب الشعوب على حساب مصالحها الخاصة ، و خصوصا دعمها للأنظمة الديكتاتورية في إفريقيا و هي التي تقدم نفسها كبلد ديمقراطي و مطالب بالديمقراطية و العدالة ، كذلك إهمالها للتنمية و لإنشاء المشاريع الكبيرة في هذه الدول ، بل و توسع شركاتها و استغلالها لخيرات تلك البلدان ، فقد عجزت فرنسا عن التحول من مستعمر سابق إلى بلد صديق أو شريك.
- فرنسا و الموقف من الانقلابات في الغرب الإفريقي :
تميزت السنوات الأخيرة في منطقة الساحل ، بعدة تغييرات في الأنظمة السياسية بطريقة الانقلابات ، فقد شهدت مالي انقلابين عسكريين في عامي 2020 و كذلك 2021 ، عندما أطاح الكولونيل اسيمي غويتا بالرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا في أغسطس 2020 فكون لجنة وطنية لإنقاذ الشعب و رسم مسارا ديمقراطيا بالتعاون مع المجتمع الدولي، مكن من تشكيل حكومة انتقالية و التشاور حول بعض المشاكل خصوصا الفساد و تأخر التنمية و هدر المال العام ، قبل أن ينقلب مرة أخرى على هذه الحكومة ، و يعلن نفسه رئيسا لمالي ، الشيء الذي جعل بلاده تتعرض لمقاطعة اقتصادية و سياسية من طرف دول الإكواس و دول الساحل ، و مقاطعة دولية قادتها فرنسا و الدول الأوروبية التي كانت تشاركها قوة التدخل في مالي ، إلا أن حدة ردة الفعل من طرف هذه الدول إزاء الانقلابات في مالي لم تكن بنفس الدرجة في انقلاب غينيا سبتمبر 2021 ، و انقلاب بوركينا فاسو يناير 2022 ، بل إن فرنسا رعت التناوب غير الديمقراطي في أتشاد بعد وفاة الرئيس إدريس دبي ما جعل الكثيرين يتساءلون عن أسباب الحدة في ردة الفعل ضد الانقلابات في مالي ، و يرجعون الأسباب لتواجد عناصر من ميليشيات فاغنر الروسية إضافة إلى ما شهدته هذه الدول من مشاعر معادية للجود الفرنسي (لقد دفعت موجات الانقلابات الأخيرة في الساحل وغرب إفريقيا، التي ارتبطت بالأزمة الاقتصادية الناجمة عن جائحة كوفيد-19، وتصاعد المدّ الإرهابي في المنطقة، عددًا من الدول الإفريقية إلى إعادة التركيز على جداول أعمالها المحلية والتحول إلى شركاء خارجيين قادرين على تزويدها "باستجابات عملية لمشاكل عاجلة وملحة".
جسَّد ذلك بوضوح ظهور خطاب شعبوي جديد في المنطقة مناهض لفرنسا ومؤيد للوجود الروسي كما تعكسه خبرة دولة مالي. و هنا يتم تصوير الزعماء العسكريين باعتبارهم حماة ومدافعين عن استقلال وسيادة الأمة في وجه الخطاب الاستعلائي الفرنسي.(14) و هكذا مثلت الانقلابات و التواجد الروسي و المشاعر المعادية لفرنسا بعد فشل إستراتيجيتها في مكافحة الإرهاب ، إضافة على الوضع الدولي مسوغات لانسحابها من مالي ن و محاولة بناء إستراتيجية جديدة في الساحل.
3- فرنسا تنسحب من مالي و تبني إستراتيجية بديلة في الساحل :
حتى قبل إعلان فرنسا انسحابها ، كان النهج الإستراتيجي لأوروبا تجاه منطقة الساحل يظهر بوادر الفشل، فقد فشل الجيش المالي في إجراء إصلاحات مهمة في قطاع الأمن ، كما فشل التعاون الدولي ممثلا في قوة برخان و مينوسما في تعزيز السيطرة على المدن و توفير الأمن فيها ، ولم يتمكن من منع الانقلابات في عامي 2020 و 2021. لذلك فقد كانت فرنسا عازمة على الانسحاب من مالي ، و وجدت الفرصة مواتية بعد الانقلاب الثاني وخصوصا بعد تصلب موقف العسكر في مالي و رفضهم للشروط التي وضعتها مجموعة الإيكواس ، و انسحابهم لاحقا من مجموعة الساحل ، مفضلين التمترس بمجموعة فاغنر و الدعم الشعبي في وجه الحصار الذي تم فرضه على الحكومة العسكرية.
أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تعقيد الموقف ، حيث أصبحت الدول الأوروبية تعيد توجيه انتباهها ومواردها إلى التزاماتها في الناتو ، و انتقلت الحرب على الإرهاب إلى مرحلة ثانوية من اهتمام هذه الدول ،فمن وجهة نظر لوجستية وسياسية ، قد يصبح الحفاظ على وجود عسكري في مالي أمرًا صعبًا ، لكن الانسحاب الكامل للجيش - لا سيما مساهمات القوات الأوروبية في Minusma - سيكون له تأثير جد سلبي. (15) و فيما كان النفوذ الفرنسي و الأوروبي ينحسر في المنطقة، كانت روسيا تكسب قواعد جديدة، و مجالا جديدا للنفوذ (لقد أصبحت روسيا على مرّ السنين، قوةً لا يُستهان بها في إفريقيا. على سبيل المثال، رحَّب أبناء دولة مالي بالتدخل العسكري الفرنسي كما بينا في البداية عام 2013م ضد الإرهابيين المتطرفين لاستعادة القانون والنظام في بلادهم. ومع ذلك، مع انسحاب القوات الفرنسية من مالي، حلَّت روسيا محل فرنسا في مالي كمزوّد أمني من خلال مجموعة فاغنر. وقد عززت حرب أوكرانيا أيضًا القلق الفرنسي والأوروبي من نفوذ روسيا المتزايد في منطقة الساحل، على وجه الخصوص، وإفريقيا بشكل عام. في الواقع، بعد القمة الروسية الإفريقية التي عُقدت في أكتوبر 2019م في سوتشي وحضرتها جميع الدول الإفريقية البالغ عددها 54 دولة، سارعت روسيا في توسيع أنشطتها الاقتصادية والتجارية و الإستراتيجية والعسكرية في إفريقيا).(16)
قد تكون فرنسا تدرك خطر مجموعة فاغنر لكنها كانت تعرف جيدا أنها تركت لها الساحة خاوية ، و كانت فرنسا تكتفي بالجهود الدبلوماسية من أجل مكافحة هذا التواجد ، فقد صرح وزير الخارجية الفرنسي أمام لجنة الشؤون الخارجية للجمعية الوطنية قائلا : "فاغنر موجود لدعم المجلس العسكري لكنه يتظاهر بأنهم يأتون لمحاربة الإرهاب". وأضاف: "ما يحدث في مالي هو اندفاع حقيقي من قبل المجلس العسكري الحاكم الذي يريد ، في تحدٍ لالتزاماته ، مصادرة السلطة لسنوات وحرمان الشعب المالي من خياراته الديمقراطية" و أضاف لودريان : "عندما نسأل زملائنا الروس عن فاغنر ، يقولون إنهم لا يعرفون (عن) وجودها شيئا ". و "عندما يتعلق الأمر بالمرتزقة من قدامى المحاربين الروس ، الذين يمتلكون أسلحة روسية ، والذين تنقلهم طائرات روسية ، فسيظل من المفاجئ عدم علم السلطات الروسية بالأمر". (17) https://www.tdg.ch/paris-accuse-wagner-detre-au-mali-pour-soutenir-la-ju...
خاتمة :
بدأت فرنسا تدرك جيدا إخفاق استراتيجياتها التي اتبعتها في إفريقيا ، و النتائج السلبية التي تحققت جراء تلك الإستراتيجية ، و قد تراكمت ظروف الإخفاق و الفشل ، ما جعلها تبادر بالانسحاب من مالي و بطريقة مستعجلة و غير منسقة ، فقد تعاقبت ظروف صعبة ابتداء من جائحة كورونا التي أثرت على العالم و كذلك الحرب الروسية على أوكرانيا و التي جعلت أوروبا تعيد الكثير من حساباتها الإستراتيجية و ترب أولوياتها ، و من ضمنها فرنسا ، التي خرجت من مالي لكنها لم تخرج من الساحل و لا تريد التخلي عن معركة مكافحة التنظيمات المسلحة و التي تبقى أولوية بالنسبة لفرنسا ، فدواعي التدخل العسكري في مالي بقي منها الكثير ، فالأمن و الاستقرار ما زالا غير متوفرين و الخطر ما زال محدقا بفرنسا و بأوروبا ، و إن كانت الدول الغربية بدأت تتفطن للإهمال الكبير الذي أصابها إزاء العالم و خصوصا النامي ، من أجل ذلك حاول الأوروبيون في قمة بروكسيل التي جمعتهم مع القادة الأفارقة تقديم نوع جديد من الشراكة المتجددة و التي تراعي ما يريده الأفارقة ، و قد رصدت أوروبا تمويلات بقيمة 150 مليار يورو للأفارقة ، و في المجالات الحيوية التي يتطلبها الاستثمار في القارة.(18)
تغير المقاربة الأوروبية و محاولة ربط الشعوب الإفريقية بالشراكة و بالجهود الساعية لتنمية حقيقية ، كل ذلك لا يبدو أنه يجد تجاوبا عند العسكريين في مالي ، و الذين يتخذون مواقف حدية متشددة في كل مرة ، و يسيرون بالبلد إلى العزلة أكثر فأكثر ، فمع حاجتهم للتدخل الفرنسي للرد على هجمات المسلحين و خصوصا بالضربات الجوية ، و رغم أن فاغنر لم تحقق تقدما في مكافحة الإرهاب حتى الآن ، و رغم أن الالتفاف الشعبي حولهم غير مضمون ، رغم كل ذلك فالعسكريين يميلون إلى التشدد إزاء السياسات الخارجية ما بدأ يؤثر سلبا على الحالة الاقتصادية للبلد ، خصوصا في هذه الظرفية العالمية التي تشهد الغلاء في بعض المواد الأساسية ، نتيجة غلاء أسعار الطاقة و الحرب في أوكرانيا.
فالعسكريون في مالي أمام خيارات صعبة ، فلتحقيق الأمن لا بد من إجراء حوارات و نقاشات مع المواطنين و خصوصا في الشمال الذي يعاني الكثير من المشاكل التي يجب حلها ، و كذلك يلزم تحقيق مسار ديمقراطي واضح لامتصاص الاحتقان الشعبي الداخلي ، كما يمكنهم اللجوء للحوار مع المجموعات المسلحة ما دام العدو الخارجي قد رحل و الأهم من كل ذلك أن يختار العسكريون في مالي بين البقاء في العزلة، أو العيش في حالة طبيعية تتطلب علاقات جيدة مع الجيران و طبيعية مع بقية العالم.

محمد سالم الشيخ / باحث موريتاني