لم تعد أزمة موريتانيا اليوم مجرد خلاف سياسي عابر حول السلطة أو الانتخابات، بل أصبحت أزمة أعمق تتعلق بطريقة تصور الدولة نفسها: هل هي دولة مواطنين متساوين أمام القانون، أم فضاء لإدارة التوازنات الاجتماعية والعرقية والقبلية؟
فعلى مدى عقود، تشكل جزء كبير من المشهد السياسي والإداري في البلاد داخل منطق يقوم على احتواء المكونات الاجتماعية أكثر مما يقوم على بناء المؤسسات. ومع الوقت، لم تعد الهوية مجرد عنصر ثقافي داخل المجتمع، بل تحولت تدريجيًا إلى أداة سياسية تُستخدم في التعيين والتمثيل والحشد والاحتجاج وحتى في تفسير الفشل الوطني.
وفي خضم هذا الواقع، ظهر خطابان متقابلان يبدوان ظاهريًا متناقضين، لكنهما ساهما معًا في إضعاف فكرة الدولة الحديثة.
الخطاب الأول يختزل الأزمة الوطنية كلها في التهميش العرقي والغبن التاريخي، ويحوّل السياسة إلى صراع دائم بين المكونات والهويات، حتى يصبح الانتماء الاجتماعي أهم من الكفاءة والبرامج والمؤسسات.
أما الخطاب الثاني، فيتعامل مع كل حديث عن الاختلالات الاجتماعية وكأنه مجرد تجارة سياسية أو محاولة لابتزاز الدولة، فينكر أحيانًا وجود مشاكل حقيقية تتعلق بالتفاوت في النفوذ أو الفرص أو التمثيل.
وبين هذين الخطابين، تضيع القضية الأساسية: بناء دولة مواطنة قادرة على إنتاج العدالة خارج منطق المحاصصة والإنكار معًا.
لا يمكن إنكار أن بعض النخب السياسية والحقوقية استثمرت في خطاب المظلومية وفق حسابات مرتبطة بالنفوذ والمصالح. فهناك من يصمت عندما يكون قريبًا من السلطة، ثم يتحول فجأة إلى صوت غاضب باسم “الحقوق” و”التهميش” بمجرد خروجه من دائرة الامتيازات. كما أن بعض المدافعين عن “الوحدة الوطنية” لا يتذكرون خطر الانقسام إلا عندما تهتز مواقع السلطة أو تتصاعد الاحتجاجات.
لكن وجود الانتهازية لا يعني أن أصل المشكلة وهمي.
فموريتانيا تشكلت داخل بنية اجتماعية معقدة، تتداخل فيها القبيلة والطبقة والإرث التاريخي والتفاوت الجهوي وضعف التنمية والتعليم. وهذه العوامل أنتجت اختلالات حقيقية في الشعور بالمواطنة والثقة بالدولة، ولا يمكن تجاوزها عبر خطاب إنكاري يعتبر أن الجميع يعيشون نفس الظروف ونفس الموقع داخل المجتمع.
وفي المقابل، فإن تحويل هذه الاختلالات إلى أساس دائم لتنظيم الحياة السياسية لا يقل خطورة عن إنكارها. لأن الدولة عندما تبدأ في إدارة المجتمع بمنطق “تمثيل المكونات” بدل بناء المؤسسات، فإنها تكرس الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
وهنا تظهر المفارقة الخطيرة: فالخطاب الذي رُفع أحيانًا باسم حماية الوحدة الوطنية ساهم عمليًا في إضعاف المواطنة عبر إدارة التوازنات بدل ترسيخ القانون، والخطاب الذي رُفع باسم العدالة والإنصاف تحول في بعض الحالات إلى إعادة إنتاج للهويات الضيقة داخل المجال السياسي.
ولعل من أخطر نتائج هذا المناخ، أنه أضعف تطور الأحزاب السياسية الطبيعية في موريتانيا. فبدل أن تنشأ أحزاب حديثة تقوم على البرامج الاقتصادية والاجتماعية والرؤى الفكرية، أصبحت أجزاء واسعة من الحياة الحزبية خاضعة لمنطق التوازنات القبلية والجهوية والعرقية.
ومع الوقت، تحولت بعض الأحزاب إلى فضاءات لإدارة الولاءات أكثر من كونها مؤسسات لإنتاج الأفكار والسياسات. وأصبح جزء معتبر من التنافس السياسي قائمًا على سؤال: “من يمثل هذه الجهة أو تلك الشريحة؟” بدل السؤال الأهم: “من يملك مشروعًا أفضل للدولة والتنمية؟”.
كما ساهم هذا الواقع في إضعاف الكفاءة داخل الإدارة نفسها. فعندما تصبح التعيينات محكومة أحيانًا بمنطق الاحتواء والتوازن أكثر من الكفاءة والاستحقاق، تتراجع فعالية المؤسسات وتضعف الثقة في الدولة، لأن المواطن يشعر أن النفوذ والانتماء قد يصبحان أكثر أهمية من القدرة والجدارة.
وفي ظل غياب أحزاب قوية ومؤسسات مستقلة، يتحول المجال السياسي تدريجيًا إلى ساحة تفاوض اجتماعي مفتوح، تُستَخدم فيها الهويات كوسائل ضغط وتعبئة، بينما تتراجع القضايا الجوهرية مثل التعليم والصحة والاقتصاد ومحاربة الفساد إلى الخلف.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة هو أن يصبح كل نقاش فيها محكومًا بمنطق الجماعات لا بمنطق المواطنة. حينها لا يعود المواطن يبحث عن دولة عادلة، بل عن جماعة تحميه داخل دولة ضعيفة.
ولهذا فإن تجاوز الأزمة الموريتانية لا يمكن أن يتحقق لا عبر المحاصصة الدائمة، ولا عبر الإنكار المستمر، بل عبر إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس القانون والكفاءة والعدالة المتساوية.
فالدولة الحديثة لا تُبنى بتوزيع الولاءات، لكنها أيضًا لا تستقر بتجاهل الاختلالات الواقعية داخل المجتمع. كما أن معالجة هذه الاختلالات لا ينبغي أن تتحول إلى سوق سياسي مغلق، بل إلى سياسات مؤسساتية واضحة ومؤقتة وقابلة للتقييم، هدفها توسيع تكافؤ الفرص لا تكريس الانقسامات.
إن موريتانيا لن تخرج فعليًا من دوامة الاحتقان بمجرد تغيير الشعارات أو تدوير النخب، بل حين يصبح الانتماء إلى الدولة أقوى من الحاجة إلى الاحتماء بالقبيلة أو الجهة أو العرق، وحين تتحول السياسة من إدارة للهويات إلى إدارة للمصالح الوطنية المشتركة.
المحاصصة ليست حلا ....لكن انكار الاختلالات ليس حلا ايضا







