رسالة مفتوحة إلى النائب المحترم برام الداه اعبيد

بواسطة محمد محمد الأمين


السيد النائب المحترم، تمرّ في تاريخ الأمم لحظاتٌ تتجاوز فيها الكلمةُ العموميةُ كونَها مجرد أداة للتموضع، لتغدو امتحانًا حقيقيًا للمسؤولية، ويخيل إليّ أننا نعيش إحدى تلك اللحظات الفاصلة، فمسيرتكم، ونضالكم، بل واسمكم ذاته، لم يعد ينتمي إلى الحقل السياسي وحده، بل أصبح جزءًا من ذاكرة جماعية، ومن معركةٍ عبرت الوعي الجمعي وأسهمت في إعادة رسم حدود الممكن في موريتانيا. 

ومن هذا المنطلق تحديدًا، تأتي هذه الرسالة جامعةً بين التقدير والصرامة؛ تقديرٍ لالتزامكم الواضح في مواجهة أشكال الهيمنة، قديمها وحديثها، وصرامةٍ لأن كل شخصيةٍ تبلغ هذا المستوى من الحضور الرمزي تُستدعى إلى تحمّل مسؤوليةٍ أرفع، لا تقتصر على التنديد، بل تمتد إلى الحفظ، والتوجيه، والتهدئة حين تدعو الضرورة.

 لقد جسّدتم، وما تزالون، صوتًا مُقلقًا، مُسائلًا، يرفض الصمت المريح، وكان لهذا الصوت دورٌ حاسم: سمَّى ما أُريد له أن يظلّ مسكوتًا عنه، وفرض النقاش، ومنح معاناةً مهمّشةً طويلًا قابليةً للرؤية، غير أنّ كل خطابٍ يُسهم في تغيير الواقع لا بد أن يصطدم، في لحظةٍ ما، بضرورةٍ أخرى، ضرورة تقدير آثاره في سياقٍ قابلٍ للاحتقان.

 وهنا تحديدًا يتحدد جوهر هذه المناشدة. إن موريتانيا اليوم ليست موريتانيا الأمس. لا لأن مظاهر الظلم قد تلاشت — فهي ما تزال قائمة، وأحيانًا بالحدة الصادمةِ ذاتها — بل لأن طبيعتها تغيّرت، وتحوّلت، وأعادت التشكل،

 فالاسترقاق، كما جرى توصيفه تاريخيًا، لم يعد الإطار الوحيد لفهم العلاقات الاجتماعية؛ لا شك أن آثاره ما تزال حاضرة، وأن رواسبه لم تُستأصل، وأن هناك أوضاعًا لا يمكن القبول بها — وهذا مما لا يجادل فيه منصف — غير أن الواقع الغالب يبدو اليوم أقرب إلى ظلمٍ أوسع انتشارًا، وأكثر تعقيدًا، يمسّ مكوناتٍ اجتماعية متعددة، ومن بينها الحراطين، دون أن يقتصر عليهم. 

إن اختزال هذا التعقيد في مقاربةٍ أحادية ينطوي على مخاطرة: مخاطرة تحويل النضال إلى صيغةٍ مطلقة قد تُقوّض فعاليته، وتزيد من التوترات التي يسعى إلى معالجتها. 

وأنتم أعلم من غيركم أن المجتمعات لا تتغير بالمواجهة وحدها، بل تتغير كذلك بلحظات التوقف، وإعادة التقييم، والتحوّل الاستراتيجي.  فليس المطلوب تخلّيًا، بل حسن اختيار للزمن، وللنبرة، وللأداة. 

إن المواجهة الدائمة، حين تتحول إلى أفقٍ قائمٍ بذاته، قد تُنتج نتائج معاكسة لما ترمي إليه، فهي قد تُعزز المخاوف، وتُجمّد المواقف، وتدفع كل طرفٍ إلى الاحتماء بخندقه، بل وقد تُعرّض، على نحوٍ خاص، مواطنين عاديين — وغالبًا من الفئات الأكثر هشاشة — لعواقب لا يملكون دفعها. 

وهنا تبرز مسألة جوهرية، تكاد تلامس التراجيديا في صياغتها: ما قيمة قضية، مهما بلغت عدالتها، إذا أدّت إلى التضحية بأولئك الذين تُرفع باسمهم؟! ليس المقصود هنا تراجعًا أخلاقيًا، بل انتقالًا في مركز المسؤولية، فالشجاعة السياسية الحقة لا تكمن في التنديد وحده، بل في القدرة على الحماية، وعلى منع تحوّل توتراتٍ مشروعة إلى شروخٍ يصعب رأبها. 

لقد خضتم، في مرحلةٍ سابقة، مسارًا مغايرًا؛ لحظةً نادرة في الحياة السياسية الموريتانية، تمثلت في محاولة التقارب وفتح باب الحوار مع السلطة ممثلةً في رأسها، وقد صرّحتم، علنًا، بأنكم وجدتم فيه «صديقًا». 

وهذه الكلمة ليست عابرة؛ فهي تتجاوز المجاملة السياسية، لتُلمّح إلى إمكانية قيام مساحةٍ من الثقة — هشةٍ لكنها واقعية — تسمح بتداول القول خارج ثنائية المواجهة الصلبة، فلماذا لا يُعاد النظر في تلك اللحظة؟ لا بوصفها استثناءً عابرًا، بل باعتبارها أفقًا استراتيجيًا ممكنًا. 

إن الحوار ليس ضعفًا؛ بل قد يكون، في ظروفٍ بعينها، أعلى درجات النضال، فهو يقتضي مغادرة نقاء الصراع إلى تعقيد التسوية — لا تسوية التنازل، بل تسوية التحوّل التدريجي. 

ليس المطلوب نسيان المظالم، بل إدراجها ضمن مسارٍ يجعل معالجتها ممكنة دون إنتاج تصدعاتٍ جديدة. 

إن موقعكم اليوم يضعكم عند مفترق طرق؛ فإما الاستمرار في تجسيد خط المواجهة الدائمة بكل ما يحمله من مخاطر في سياقٍ اجتماعي حساس؛ وإما إحداث تحوّلٍ استراتيجي يُبقي على صلابة المبدأ، ويفتح في الآن ذاته مساحاتٍ لخفض التوتر. 

وهذا الخيار ليس سياسيًا فحسب، بل هو إنساني في عمقه، فخلف المفاهيم والخطابات والتحليلات، هناك حياةٌ بشرية: مواطنون، بعضهم من الشباب، وبعضهم في حالة ارتباك، وبعضهم سريع التأثر بالتعبئة، قد يتحولون إلى أدواتٍ في صراعٍ يتجاوزهم، وحمايتهم قد تكون، اليوم، أسمى صور المسؤولية.

 إن القبول، عند الضرورة، بإبطاء وتيرة الطموح السياسي — لا للتخلي عنه، بل لإعادة تشكيله — قد يبدو خسارةً آنية، غير أن التاريخ كثيرًا ما يثبت أن مثل هذه القرارات تفتح آفاقًا أبعد مدى، فالشخصيات السياسية الكبرى لا تُقاس فقط بحدة نضالها، بل بقدرتها على التحكم في نتائجه. 

لقد تركتم بصمتكم في التاريخ السياسي لموريتانيا. والسؤال المطروح اليوم هو: كيف يمكن لهذه المسيرة أن تُدرج في أفقٍ يتجاوز منطق الصراع المباشر، نحو بناء الاستقرار، وتحقيق العدالة، وترسيخ التعايش؟

 إن موريتانيا في حاجةٍ إلى أصواتٍ قوية، لكنها في حاجةٍ أيضًا إلى أصواتٍ تعرف كيف تُنظّم حدتها بحسب مقتضيات اللحظة، في حاجةٍ إلى قادةٍ قادرين على قول «لا»، لكنهم، عند الضرورة، قادرون كذلك على القول: «لنتقدم بطريقةٍ أخرى». 

ليست هذه دعوةً إلى التراجع، بل إلى شكلٍ أكثر تعقيدًا من الشجاعة: شجاعة التوقف. شجاعة إعادة التقييم. شجاعة الحماية. ولعلها، اليوم، أصعب المهام — ومن ثمّ أكثرها إلحاحًا. وتفضلوا، السيد النائب، بقبول فائق عبارات التقدير التي تليق بحجم الرهان الذي تمثلونه. 

اصنيب محمد/ أستاذ على مشارف التقاعد، صحفي، مناضل سابق في حركة الحر وضمن المعارضة الأولى (1989–2005)