تمثل الصناعة التقليدية أحد المكونات الأساسية للاقتصاد الاجتماعي والثقافي في الجمهورية الإسلامية الموريتانية، لما لها من دور في الحفاظ على الهوية التراثية وتوفير مصادر دخل لفئات واسعة من المجتمع. كما يُنظر إلى هذا القطاع، في العديد من التجارب الإقليمية، باعتباره رافعة للتنمية المحلية ومجالاً واعداً لخلق فرص العمل وتعزيز الاقتصاد الثقافي والسياحي.
ورغم ما تمتلكه موريتانيا من رصيد ثقافي غني ومهارات حرفية متوارثة، فإن قطاع الصناعة التقليدية لا يزال يواجه مجموعة من التحديات البنيوية والمؤسسية التي تحد من مساهمته في التنمية الاقتصادية. ويهدف هذا المقال إلى تحليل واقع القطاع، وتشخيص أهم التحديات التي تعيق تطوره، واستشراف آفاق إصلاحه وتحويله إلى قطاع اقتصادي منتج وقادر على خلق القيمة المضافة.
أولاً: واقع قطاع الصناعة التقليدية في موريتانيا
يتميز القطاع بانتشار واسع في الوسطين الحضري وشبه الحضري، ويشمل أنشطة متنوعة، من أبرزها:
• صياغة الذهب والفضة
• الصناعات الجلدية
• النسيج التقليدي (الملحفة والدراعة)
• النجارة وصناعة الخشب
• الصناعات المعدنية التقليدية
ويعتمد الإنتاج أساساً على العمل اليدوي والخبرة المتوارثة، مما يمنح المنتجات طابعاً ثقافياً مميزاً. كما يوفر القطاع فرص عمل مهمة، خاصة للنساء والشباب، ويساهم في الحد من البطالة والهشاشة الاقتصادية.
غير أن الطابع غير المنظم لغالبية الأنشطة، وضعف الاندماج في الاقتصاد الرسمي، يحدّان من مساهمة القطاع في الناتج المحلي ومن قدرته على تحقيق نمو مستدام.
ثانياً: التحديات البنيوية التي تواجه القطاع
1 ضعف التنظيم والاندماج في الاقتصاد الرسمي
يعمل معظم الحرفيين خارج الأطر القانونية والتنظيمية، دون حماية اجتماعية أو تمثيل مهني فعال، مما يحدّ من استفادتهم من برامج الدعم والتمويل.
2 محدودية التكوين والتأهيل
لا يزال القطاع يعتمد على نظام التلمذة التقليدية، في ظل غياب منظومة تكوين حديثة تجمع بين المهارات التقنية والتصميم والابتكار والتسويق وإدارة المشاريع.
3 صعوبات التمويل
يواجه الحرفيون صعوبة في الوصول إلى مصادر التمويل، نتيجة غياب آليات مالية متخصصة تراعي طبيعة نشاطهم وإمكانياتهم المحدودة.
4 ضعف التسويق ومحدودية النفاذ إلى الأسواق
تقتصر عمليات التسويق على الأسواق المحلية، مع ضعف الحضور في المعارض الدولية والمنصات الرقمية، مما يحد من فرص التوسع وزيادة القيمة المضافة.
5 منافسة المنتجات المستوردة
تتعرض المنتجات التقليدية لمنافسة قوية من السلع الصناعية منخفضة التكلفة، الأمر الذي يؤثر على استدامة بعض الأنشطة الحرفية.
6 إشكالية الحوكمة والتسيير المؤسسي
رغم اعتماد مقاربة تشاركية من خلال تمثيل القطاع عبر غرفة وطنية منتخبة، فإن التجربة العملية أظهرت محدودية في القدرة على التسيير الاستراتيجي. ويرتبط ذلك بضعف الخبرة في إدارة المؤسسات والتخطيط وتعبئة الموارد وبناء الشراكات، مما انعكس على محدودية البرامج والمبادرات القادرة على إحداث تحول نوعي في القطاع.
كما أدى غياب رؤية استراتيجية واضحة وضعف التنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء التنمويين إلى بقاء الصناعة التقليدية في إطار نشاط معيشي محدود الأثر الاقتصادي.
ثالثاً: نقاط القوة والفرص المتاحة
رغم التحديات، يمتلك القطاع عدداً من المقومات التي يمكن البناء عليها، من أبرزها:
• تنوع وغنى الموروث الثقافي
• مهارات حرفية عالية الجودة
• إمكانات كبيرة في الصناعات النسوية
• قابلية الربط بالسياحة الثقافية
• تزايد الطلب العالمي على المنتجات ذات الطابع اليدوي والأصيل
رابعاً: آفاق تطوير القطاع
يتطلب تحويل الصناعة التقليدية إلى قطاع اقتصادي منتج اعتماد مقاربة إصلاحية شاملة ترتكز على المحاور التالية:
1. تنظيم القطاع وتشجيع إنشاء التعاونيات والتجمعات المهنية
2. تطوير منظومة التكوين وإدماج التصميم والابتكار والتسويق الرقمي
3. تسهيل الوصول إلى التمويل عبر برامج تمويل صغيرة ومتخصصة
4. تحسين آليات التسويق وإنشاء منصات إلكترونية وطنية
5. دعم مشاركة الحرفيين في المعارض الوطنية والدولية
6. إنشاء علامة وطنية للصناعة التقليدية لتعزيز الجودة والهوية
7. تعزيز الربط بين الصناعة التقليدية والقطاع السياحي
8. بناء قدرات الهيئات المهنية في مجالات الحوكمة والتخطيط الاستراتيجي
وفي هذا الإطار، اتجهت السلطات العمومية إلى تبني توجه مؤسسي جديد يقوم على إنشاء وكالة وطنية للصناعة التقليدية، بهدف تعزيز فعالية التدخل العمومي وإرساء آليات حوكمة أكثر كفاءة. ويُنتظر أن تسهم هذه الوكالة في تحسين التنسيق بين مختلف الفاعلين، وتوفير الدعم الفني والاقتصادي للحرفيين، والمساهمة في تحديث القطاع وإدماجه بشكل أفضل في الدورة الاقتصادية.
الخاتمة :
يمتلك قطاع الصناعة التقليدية في موريتانيا مقومات ثقافية وبشرية واعدة، غير أن مساهمته الاقتصادية لا تزال محدودة نتيجة اختلالات تنظيمية ومؤسسية وهيكلية. ويشكل إصلاح منظومة الحوكمة، وتطوير التكوين، وتعزيز التمويل والتسويق، مدخلاً أساسياً لتحويل هذا القطاع من نشاط معيشي تقليدي إلى قطاع اقتصادي منتج.
إن نجاح هذا التحول كفيل بأن يجعل الصناعة التقليدية رافعة للتنمية المحلية، ومصدراً لفرص العمل، وأداة لتعزيز الاقتصاد الثقافي والسياحي في موريتانيا.
عبد الله لبات
الصناعة التقليدية في موريتانيا: الواقع والتحديات وآفاق التطوير







