يُنظر إلى ملفّ الرق في موريتانيا بوصفه إحدى أكثر القضايا الأخلاقية والإنسانية حساسية وتعقيدًا، غير أنّ حضوره في المجال السياسي المعاصر لم يعد يعكس فقط مطلب العدالة الاجتماعية، بل أصبح كاشفًا لطبيعة التوظيف السياسي للقضايا الأخلاقية الكبرى. ففي سياق سياسي يتّسم بالهشاشة وضعف الثقة بين الدولة والمجتمع، تحوّل هذا الملف من إطار إصلاحي طويل الأمد إلى أداة صراع رمزي وخطابي، تُستثمر سياسيًا أكثر مما تُدار اجتماعيًا. ويبرز في هذا السياق خطاب بيرام ولد الداه اعبيد بوصفه المثال الأوضح على هذا التحوّل، حيث جرى تقديم القضية في قالب صدامي يغلّب الإدانة الأخلاقية على المعالجة السياسية الواقعية.
لا تكمن إشكالية هذا الخطاب في إثارة ملفّ الرق أو في كسر الصمت حول مخلّفاته، فذلك في حدّ ذاته إسهام لا يمكن إنكاره في الوعي العام. إنما تتجلّى الإشكالية في البنية التي يقوم عليها الطرح، والتي تختزل قضية اجتماعية مركّبة في ثنائية أخلاقية حادّة، تُقسّم الفضاء العام إلى ضحايا مطلقة البراءة من جهة، ومجتمع ودولة يُقدَّمان بوصفهما بنية متواطئة أو عاجزة بنيويًا عن الإصلاح من جهة أخرى. هذا الاختزال، رغم فعاليته التعبوية، يُقصي التحليل السياسي المركّب، ويُفرغ النقاش من أدواته العقلانية، ويحوّل القضية من مجال السياسات العمومية إلى ساحة اتهام دائم.
ينطلق هذا الطرح من فرضية ضمنية مفادها أنّ التحوّلات القانونية والمؤسسية التي عرفتها موريتانيا ليست سوى واجهة شكلية لا تمسّ جوهر البنية الاجتماعية القائمة. وبهذا المنطق، يتم نفي أي قيمة للعمل الإصلاحي التراكمي، وإلغاء إمكان الاشتغال من داخل المؤسسات، لصالح منطق المواجهة المستمرة. غير أنّ هذا المنطق، من منظور علم السياسة، لا ينتج بالضرورة تغييرًا بنيويًا، بل يُسهم في إعادة إنتاج الأزمة عبر إبقائها في مستوى الخطاب والرمز بدل نقلها إلى مستوى السياسات العمومية القابلة للتنفيذ.
كما يتّسم هذا الخطاب بنزعة تعميمية واضحة، حيث يُقدَّم المجتمع الموريتاني في صورة كتلة واحدة متجانسة لم تتجاوز ماضيها، دون تمييز بين الفاعلين الاجتماعيين، أو اعتراف بتعدّد المواقف والاتجاهات والتحوّلات التي عرفتها البنية الاجتماعية. هذا التعميم لا يفتح أفقًا لبناء تحالف اجتماعي واسع حول القضية، بل يدفع قطاعات من المجتمع إلى التمترس في موقف دفاعي، لا بدافع رفض العدالة، بل رفضًا لمنطق الاتهام الجماعي. وهنا تتحوّل القضية من مطلب وطني جامع إلى عنصر استقطاب هويّاتي حاد، يُضعف إمكان التوافق حول حلول مشتركة.
ويزداد هذا الإشكال حدّة مع اعتماد هذا الطرح على تدويل ملفّ الرق بوصفه خيارًا سياسيًا مركزيًا، لا مجرّد أداة ضغط ظرفية. فالتوجّه المتكرر نحو الخارج، وتقديم الملف في إطار إدانة شاملة للدولة والمجتمع، يمنح الخطاب صدى دوليًا، لكنه في المقابل يُضعف شروط التوافق الداخلي، ويُغذّي سرديات الإنكار والسيادة الدفاعية داخل الدولة. كما أنّ هذا التدويل، حين لا يُرفق برؤية إصلاحية واضحة، يُحوّل القضية إلى ورقة ضغط سياسية، لا إلى مسار حقوقي مؤسسي قابل للقياس والتقييم.
الأثر السياسي الأعمق لهذا التوظيف يتمثّل في إدامة حالة التوتّر الرمزي، حيث تبقى قضية الرق حاضرة بقوة في الخطاب العام، لكنها غائبة عن مستوى السياسات العمومية الفعّالة. فالتركيز المفرط على الإدانة الأخلاقية يُهمّش أدوات المعالجة الواقعية، مثل التعليم، والتمكين الاقتصادي، وإعادة الإدماج الاجتماعي، وتفعيل القضاء، وهي الأدوات التي تُشكّل جوهر أي معالجة مستدامة لمخلّفات الرق. وبدل أن يكون الخطاب محفّزًا لبناء هذه السياسات، يتحوّل إلى بديل عنها، يكتفي بإعادة إنتاج الاحتجاج والغضب.
ولا يمكن تجاهل أنّ اختزال ملفّ الرق في خطاب سياسي مرتبط بشخص بعينه يُعرّض القضية نفسها لخطر التسييس المفرط. فعندما تصبح القضية مرادفة لطرح محدّد، فإن أي نقد لهذا الطرح يُفهم تلقائيًا بوصفه عداءً للضحايا، وهو ما يُغلق المجال أمام النقاش العقلاني، ويُحوّل القضية إلى منطقة محرّمة سياسيًا. وبهذا المعنى، لا يخدم هذا التوظيف الضحايا على المدى البعيد، بل يجعل قضيتهم رهينة للصراع السياسي وتقلباته.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى دعوة صريحة ومسؤولة لإعادة النظر في هذه المقاربة، لا من باب التشكيك في عدالة القضية، بل من زاوية تقييم جدوى الأدوات والخيارات السياسية المعتمدة. فاستمرار الخطاب في صيغته الصدامية الحالية، رغم ما يمنحه من حضور رمزي وإعلامي، يظل محدود الأثر على مستوى التحوّل البنيوي، بل قد يتحوّل إلى عائق أمام تحقيق اختراق حقيقي في مسار المعالجة. كما أنّ الظرف السياسي الراهن، وما يرافقه من حديث عن حوار وطني مرتقب، يوفّر فرصة نادرة لإعادة إدماج ملفّ الرق ضمن إطار وطني جامع، بعيدًا عن منطق الاستقطاب والتدويل الأحادي.
إن استثمار هذه الفرصة يقتضي الانتقال من موقع الخصم الدائم إلى موقع الشريك النقدي، ومن خطاب الإدانة إلى أفق الحلول. فالحوار الوطني، إذا ما أُحسن توظيفه، يمكن أن يشكّل إطارًا لإعادة ترتيب الأولويات، وتحديد المسؤوليات، وربط ملفّ الرق بإصلاحات ملموسة في مجالات التعليم، والتمكين الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، بدل إبقائه رهينة للرمزية والصراع الخطابي. والرهان الحقيقي هنا لا يكمن في رفع سقف الخطاب، بل في خفض منسوب التوتر، وفتح المجال أمام تسوية تاريخية مسؤولة تعترف بالماضي وتعمل على تجاوز آثاره ضمن مشروع وطني تشاركي.
إنّ القضايا الأخلاقية الكبرى لا تُحلّ عبر إنتاج شعور دائم بالذنب الجمعي، ولا عبر الصدام الخطابي المستمر، بل عبر تفكيك البنى الاجتماعية والاقتصادية التي تُعيد إنتاج التهميش. ومن هذا المنظور، فإن مستقبل ملفّ الرق في موريتانيا يظلّ مرتبطًا بالقدرة على تحويل الأخلاق إلى سياسة، والاحتجاج إلى إصلاح، والرمزية إلى مؤسسات، وهو التحدي الحقيقي المطروح اليوم أمام جميع الفاعلين السياسيين، وفي مقدّمتهم من جعلوا من هذا الملف محورًا لخطابهم ومشروعهم العام.
: أحمد محمد حماده







