بوتلميت: حين استُقبل الوزير من القاع… وغابت النخبة عن المشهد

بواسطة عبد الله لبات

لم يكن استقبال الوزير المختار ولد آميجن في بوتلميت، يوم السبت 24 أكتوبر، مجرد استقبال عابر لمسؤول حكومي عاد إلى مدينته بعد تعيينه في منصبه الجديد.كان المشهد، لمن يعرف بوتلميت ويعرف تركيبتها الاجتماعية والسياسية، أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

كنتُ شخصياً داخل موكب الاستقبال، في إحدى السيارات كعضوا في احد التيارات السياسية يتبنى فكرة إنصاف الفئات المهمشة وإعطائها نصيبها العادل في الحضور السياسي والتعايش الاخوي والمنافسة الشريفة

ولهذا فإنني لم أشاهد الاستقبال من بعيد، ولم أقرأ عنه في صفحات التواصل الاجتماعي؛ بل كنت في قلب المشهد.وما رأيته يستحق أن يقال بصراحة.

كانت هناك حشود كبيرة. وكان الاستقبال قوياً. وكانت الفئات التي ظلت تاريخياً في أسفل السلم الاجتماعي حاضرة بقوة. لكن المفاجأة لم تكن في كثافة الجماهير، وإنما في الغائبين.

فأين كان الوجهاء؟ و أين كان السياسيون الكبار؟ وأين كان الأطر؟ وأين كان الوزراء السابقون الذين اعتادت بوتلميت أن تراهم في مثل هذه المناسبات؟

لا تحتاج الذاكرة البوتلميتية إلى كثير من البحث حتى تستحضر مشهد استقبال الوزراء القادمين من البيوت ذات الحضور التقليدي في المقاطعة.

ولعل استقبال اخر وزير بوتلميتي  في المقاطعة يقدم مثالاً حديثاً تمكن المقارنة به.

فالتغطيات المنشورة عن ذلك الاستقبال تحدثت صراحة عن حضور واسع للأطر والوجهاء والفاعلين السياسيين والاجتماعيين، إلى جانب المنتخبين وقيادات حزب الإنصاف وشخصيات دينية وصوفية ووجهاء من مختلف مناطق المقاطعة.

بل إن السيرة الرسمية لهذا الوزير تؤكد أنه شخصية سياسية وإدارية بارزة، سبق أن شغل حقائب وزارية ومواقع إدارية عليا في الدولة.

إذن نحن لا نقارن بين شخصين متساويين فقط في المنصب؛ وإنما نقارن بين مشهدين اجتماعيين وسياسيين داخل المدينة نفسها.

ففي المشهد الأول، تحضر النخبة التقليدية بقوة. وفي المشهد الثاني، يصل وزير جديد إلى مدينته، فتكون الفئات الهشة والمهمشة هي الأكثر بروزاً في الاستقبال. وهنا تبدأ الأسئلة المحرجة:

هل كان الغياب احتجاجاً؟

هل غياب هذه النخب السياسية والاجتماعية كان صدفة؟

هل كان انشغالاً؟

هل كان عدم اهتمام؟

أم أنه كان رسالة سياسية صامتة؟

ربما يكون البعض قد أراد أن يقول، بطريقة غير مباشرة، إن صعود أبناء الفئات المهمشة إلى مواقع القرار لا يحظى بالرضا نفسه الذي كان يحظى به أبناء الطبقات التقليدية ذات النفوذ.

خصوصاً أن الوزير المختار ولد آميجن جاء في ظرف سياسي أعادت فيه القيادة الوطنية تشكيل الحكومة، وأخرجت منها شخصيات كانت حاضرة في المشهد الوزاري السابق. 

لكن هل يكفي ذلك للقول إن غياب النخبة كان احتجاجاً؟ لا. إنه احتمال سياسي يستحق النقاش، وليس حقيقة مثبتة.

أم أن المسألة أعمق من السياسة؟ هناك تفسير آخر أكثر إزعاجاً، ربما لا يتعلق الأمر بالوزارة أصلاً.

ربما يتعلق الأمر (بمن يستحق أن يُحتفى به في الوعي الاجتماعي البوتلمـيتي).

فإذا كان الوزير القادم من عائلة ذات مكانة تقليدية يجد حوله تلقائياً شبكة من الوجهاء والأطر والسياسيين، بينما يجد الوزير القادم من الفئات التي ظلت مهمشة تاريخياً نفسه محاطاً أساساً بأبناء تلك الفئات، فإن السؤال يصبح اجتماعياً بقدر ما هو سياسي.

هل لا تزال بعض مكونات المجتمع البوتلمـيتي تنظر إلى السلطة من خلال أصل صاحبها قبل أن تنظر إلى موقعه في الدولة؟ إذا كانت الإجابة نعم، فالمشكلة ليست في المختار ولد آميجن, المشكلة في المجتمع نفسه.

الوزير الذي استقبله القاع

التعبير قد يكون قاسياً، لكنه يعكس حقيقة اجتماعية ينبغي ألا نخاف من مناقشتها. الفئات التي خرجت بكثافة لاستقبال ولد آميجن هي نفسها الفئات التي ظلت لعقود أقل حضوراً في مواقع القرار والنفوذ.

وهذا بالضبط ما يجعل المشهد سياسياً. فقد لا تكون هذه الجماهير خرجت فقط لاستقبال وزير.

قد تكون خرجت أيضاً لتقول:

نحن هنا.

نحن الذين ظللتم تنظرون إلينا باعتبارنا هامشاً اجتماعياً، نستطيع اليوم أن نستقبل وزيراً من أبنائنا.

ونستطيع أن نرى في وصوله إلى موقع حكومي رفيع اعترافاً بأن الدولة لا ينبغي أن تكون امتداداً للسلم الاجتماعي التقليدي.

وهذا يفسر، جزئياً على الأقل، لماذا كان المشهد مختلفاً.

فتغطية الاستقبال نفسها تحدثت عن تصدر أبناء الفئات الهشة والمهمشة للمشهد، وربطت ذلك بفكرة الإنصاف والعدالة الاجتماعية.

لكن أين كانت النخبة؟ 

هذا هو السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه.

 

إذا كان حضور الأطر والوجهاء في استقبال الوزراء تقليداً راسخاً في بوتلميت، فلماذا بدا المشهد مختلفاً هذه المرة؟

هل لأن المختار ولد آميجن لم ينحدر من الطبقة الاجتماعية التي كانت تاريخياً تمتلك النصيب الأكبر من النفوذ؟

أم لأن بعض النخب لم تتقبل أن تتغير قواعد اللعبة؟

أم لأن هناك خلافاً سياسياً مع خيارات القيادة الوطنية؟

أم أن الأمر كله مجرد ظرف عابر لا يحمل أي دلالة؟

 

الحقيقة لا أملك إجابة قاطعة لكنني أملك حق طرح السؤال والسؤال هنا أهم من الإجابة.

 من يملك بوتلميت سياسياً؟

بوتلميت ليست مجرد مدينة.

إنها واحدة من المدن الموريتانية التي لعبت تاريخياً دوراً مهماً في إنتاج النخب العلمية والسياسية والإدارية.

وقد شهدت خلال السنوات الأخيرة حديثاً عن الانسجام السياسي والتنسيق بين مختلف التكتلات والمكونات الاجتماعية، بل إن بعض الكتابات المحلية اعتبرت أن المدينة استطاعت تحقيق قدر من التوازن السياسي والاجتماعي.

لكن استقبال ولد آميجن يضع هذا الانسجام أمام اختبار جديد.

فإذا كان أبناء الفئات المهمشة قادرين على صناعة حشد شعبي بهذا الحجم حول أحد أبنائهم، فإن السؤال لم يعد:هل تستطيع هذه الفئات الوصول إلى السلطة؟

بل أصبح:هل تستطيع النخبة التقليدية التعايش مع انتقال جزء من السلطة والرمزية السياسية إليها؟.

ان الرسالة التي ينبغي أن تكون واضحة هي أننا لا ندعو إلى استبدال إقصاء بإقصاء.

لا نريد أن تغيب النخبة التقليدية عن استقبال أبناء الفئات المهمشة، كما لا نريد غداً أن تغيب الفئات المهمشة عن استقبال أبناء النخبة التقليدية.

المطلوب هو أن تصبح بوتلميت مدينة لا يسأل فيها المواطن: من أي طبقة أنت؟

قبل أن يسأل:ماذا قدمت لمدينتك؟ وماذا تستطيع أن تقدم لها؟

وهذا هو جوهر مشروع الإنصاف السياسي الذي ندافع عنه. 

أما أنا، فقد كنت في ذلك اليوم داخل إحدى السيارات التي رافقت الوزير ولم نكن نبحث عن مظاهرة طبقية.كنت أشارك في استقبال رجل أرى أن وصوله إلى موقع حكومي رفيع يمثل، بالنسبة لي، حدثاً يتجاوز شخصه. ويمثل إمكانية أن يصبح أبناء الهامش جزءاً طبيعياً من صناعة القرار. ولهذا فإن المشهد الذي رأيته لن أنساه بسهولة:

حشود كثيرة في الشارع... وفئات مهمشة في مقدمة المشهد... ونخبة سياسية واجتماعية اعتادت أن تكون حاضرة في مثل هذه المناسبات، لكنها هذه المرة كانت غائبة إلى حد لافت.

ولا أدري إن كان ذلك احتجاجاً سياسياً، ولا أدري إن كان موقفاً اجتماعياً، ولا أدري إن كان مجرد صدفة، لكنني أعرف شيئاً واحداً:

إن كان الغياب مقصوداً، فهو رسالة. وإن كان غير مقصود، فهو أيضاً سؤال.

والتاريخ وحده سيكشف أيهما كان.

 

عبد الله لبات