حين يُعطى الشباب مفاتيح المؤسسة

بواسطة عبد الله لبات
مدرسة التعليم الفني والتكوين المهني للبناء والأشغال العامة بنواكشوط… تجربة تستحق أن نتوقف عندها في موريتانيا، كثيرًا ما نتحدث عن الشباب باعتبارهم «مستقبل الوطن». عبارة جميلة تكررت حتى كادت تفقد معناها. لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم هو: متى يصبح هذا المستقبل حاضرًا؟ متى نعطي الشاب الموريتاني فرصة حقيقية ليقود مؤسسة، ويتخذ القرار، ويخطئ إن أخطأ، وينجح إن نجح، ثم نحكم عليه بما أنجز لا بما نعتقد مسبقًا أنه قادر على إنجازه؟ ربما تقدم لنا مدرسة التعليم الفني والتكوين المهني للبناء والأشغال العامة بنواكشوط إجابة عملية عن هذا السؤال. ففي 29 أغسطس 2026، احتضن قصر المؤتمرات حفل تخرج دفعة «المستقبل التقني الصناعي»، في مشهد كبير يختصر جزءًا من صورة موريتانيا الشابة: خريجون، أسر، مدربون، ومؤسسة تفتح أبوابها أمام جيل جديد من الفنيين والتقنيين. لكن خلف مشهد التخرج توجد قصة أخرى لا تقل أهمية: قصة شباب أُعطيت لهم فرصة إدارة المؤسسة نفسها. البداية لم تكن من المكتب… بل من الفريق تولى المهندس شيخن بكر امبارك إدارة المؤسسة خلال السنة الأخيرة. واللافت في تجربته أن أول ما اتجه إليه لم يكن تكريس الإدارة حول شخص المدير، وإنما بناء فريق عمل من الكفاءات الشابة. ومن بين الأسماء التي اختارها المهندس سيد أحمد باب عبد رب والأستاذ عبد الرحمن الحيمر، إلى جانب مجموعة أخرى من الشباب، في فريق يقوم على التكامل والتعاون وتوزيع الأدوار. وهنا تحديدًا تصبح التجربة جديرة بالنقاش. لأن المشكلة في إدارتنا ليست دائمًا في غياب الكفاءات، وإنما في غياب الفرصة. لدينا شباب درسوا، وتخصصوا، واكتسبوا الخبرة، لكن كثيرًا منهم يقضي سنوات طويلة في انتظار اللحظة التي يُقال له فيها: «الآن يمكنك أن تتحمل المسؤولية». والحقيقة أن المسؤولية لا تُتعلم كلها في الكتب. جزء كبير منها يُكتسب عندما توضع بين يديك مؤسسة فعلية، وموظفون، وميزانية، ومشاكل، وأهداف، ثم يُطلب منك أن تنجح. لا نقول إن الشباب ينجحون لأنهم شباب وهنا ينبغي أن نكون منصفين. ليس كل شاب مديرًا ناجحًا لمجرد أنه شاب، كما أن كل مسؤول كبير في السن ليس بالضرورة عقبة أمام التطوير. هذه ليست معركة بين الشباب والكبار. إنها معركة بين الكفاءة والجمود. المهندس شيخن بكر امبارك لم يحصل على حق النجاح لأنه أصغر سنًا؛ حصل على فرصة ليُختبر في الميدان. والفريق الذي يعمل معه لا يستحق الإشادة لأنه شاب فقط، وإنما لأن العمل الإداري في النهاية يجب أن يُقاس بما يضيفه للمؤسسة. وهنا تأتي الأرقام. نتائج الامتحانات الوطنية لسنة 2026 في المؤسسة تظهر 319 مترشحًا، حضر منهم 310، ونجح 280، بنسبة نجاح إجمالية بلغت 90.32%. وفي مستوى CAP وصلت النسبة إلى 94.22%، بينما بلغت في BT 80%، وسجلت عدة تخصصات نسبة نجاح كاملة بلغت 100%. لا يمكن اختزال هذه النتائج في شخص المدير أو فريقه؛ فهذا سيكون غير علمي وغير منصف للمتكونين والمدربين وكل العاملين بالمؤسسة. لكنها، في المقابل، مؤشرات إيجابية تزامنت مع تجربة إدارية شبابية وتستحق أن تُقرأ بجدية. وهذا هو الفرق بين النقد الموضوعي والدعاية. لماذا نخاف من إعطاء الشباب فرصة؟ هذا هو السؤال الأهم. أحيانًا يبدو وكأننا نطلب من الشباب أن يثبتوا كفاءتهم قبل أن نعطيهم فرصة إثباتها! نريد منهم الخبرة، لكننا لا نعطيهم مسؤولية. نطلب منهم المبادرة، لكننا لا نعطيهم الصلاحية. نتحدث عن التجديد، ثم نعيد إنتاج الوجوه نفسها والأساليب نفسها. وهكذا يدخل الشاب في دائرة مغلقة: لا خبرة كافية لأنه لم يحصل على المسؤولية، ولا مسؤولية لأنه لا يملك الخبرة. ولا يمكن كسر هذه الدائرة إلا بالثقة المشروطة. أي: أعطه الفرصة، امنحه الصلاحية، ثم حاسبه. إذا نجح، تقدم. إذا فشل، غادر. هذه ليست مجاملة للشباب، وإنما عدالة في التعامل معهم. ما علاقة التكوين المهني بكل هذا؟ العلاقة مباشرة. فالمؤسسة التي تحتفل بتخرج شباب يحملون مهارات مهنية، هي نفسها مطالبة بأن تؤمن بأن الشباب قادرون على تحمل مسؤوليات أكبر. والشعار الذي رافق الحفل: «مهاراتي بنيان وطني وبديل عن الهجرة»، يحمل معنى يتجاوز قاعات التكوين. فالمهارة تمنح الشاب قدرة على العمل، لكن الثقة تمنحه القدرة على المبادرة. وموريتانيا تحتاج إلى الاثنين معًا. نحتاج إلى شاب يعرف كيف يبني ويصنع ويصلح ويشغل المعدات، لكننا نحتاج أيضًا إلى شاب يستطيع أن يدير ورشة، ويقود فريقًا، ويتخذ قرارًا، ويتحمل نتيجة قراره. مدرسة واحدة… ورسالة أكبر ما يعجبني في هذه التجربة ليس أن مديرًا شابًا تولى مؤسسة. هذا وحده لا يكفي. ما يستحق الاهتمام هو أن المهندس شيخن بكر امبارك اختار أن يجعل تجربته جماعية، وأن يحيط نفسه بعدد من الكفاءات الشابة، بدل أن تتحول الإدارة إلى تجربة فردية. وهذه نقطة مهمة في إصلاح الإدارة الموريتانية. نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة «المدير الذي يفعل كل شيء» إلى ثقافة الفريق الذي يعمل من أجل المؤسسة. فالمدير القوي ليس بالضرورة من يحتفظ بكل الخيوط في يده، وإنما من يستطيع أن يكتشف الكفاءات من حوله، ويمنحها المسؤولية، ويوحد جهودها حول هدف واضح. لا نريد حرب أجيال من الخطأ أن نفهم تمكين الشباب على أنه إعلان نهاية دور الأجيال السابقة. لا. الكبار يملكون ما لا يمكن اختصاره في الكتب: التجربة. والشباب يملكون ما تحتاجه المؤسسات أيضًا: الطاقة، والمرونة، والاستعداد للتغيير. والإدارة الرشيدة هي التي تعرف كيف تجعل الاثنين يعملان معًا. نريد أن تنتقل الخبرة، لا أن تختفي. ونريد أن يتقدم الشباب، لا أن ينتظروا إلى ما لا نهاية. ولهذا فإن تجديد الإدارة والتقاعد وتمكين الشباب قضايا مرتبطة ببعضها أكثر مما نتصور. دعوا النتائج تحسم النقاش قد نختلف حول تقييم تجربة أي مدير، وهذا طبيعي. لكن ما ينبغي ألا نختلف حوله هو ضرورة إعطاء الكفاءات فرصة. تجربة مدرسة التعليم الفني والتكوين المهني للبناء والأشغال العامة لا تحتاج إلى حملة مديح، كما لا تحتاج إلى أحكام مسبقة. إنها تحتاج إلى متابعة وتقييم ومقارنة. فإذا تحسن الأداء واستمرت النتائج الإيجابية، فلماذا لا نستفيد من التجربة في مؤسسات أخرى؟ وإذا ظهرت نقائص، فلماذا لا نعالجها؟ بهذه الطريقة فقط نكون قد تعاملنا مع تمكين الشباب باعتباره سياسة تقوم على الكفاءة والمساءلة، لا شعارًا للاستهلاك. وفي النهاية، ربما يكون السؤال الذي تطرحه هذه التجربة على الإدارة الموريتانية بسيطًا جدًا: كم من شاب نملك من أمثال هؤلاء، لكننا لم نعطه بعد فرصة؟ ربما يكونون أكثر مما نعتقد. وقد لا نكتشف قدراتهم إلا عندما نمنحهم مفاتيح مؤسسة حقيقية. فالشباب لا يحتاجون إلى أن نقول لهم كل يوم إنهم مستقبل موريتانيا. إنهم يحتاجون إلى أن نمنحهم فرصة ليكونوا جزءًا من حاضرها. وعندما تُفتح الأبواب، وتُمنح الصلاحيات، وتُفرض المساءلة، لن تكون أعمار المسؤولين هي القضية. بل ستكون النتائج. عبدالله لبات