البكالوريا ليست المشكلة... بل مرآة لأزمة أعمق. احمد محمد حماده

بواسطة وكالة الإعلام …

البكالوريا ليست المشكلة... بل مرآة لأزمة أعمق.
احمد محمد حماده/كاتب و محلل سياسي 

في كل عام، تتحول نتائج البكالوريا إلى حديث الشارع الموريتاني، لكن نتائج هذا العام بدت مختلفة. فحين أعلنت وزارة التربية أن نسبة النجاح لم تتجاوز 13.56%، لم يكن الرقم مجرد نتيجة امتحان، بل تحول إلى مادة لنقاش واسع، وإلى مناسبة لطرح أسئلة مؤجلة عن واقع المدرسة الموريتانية ومستقبلها.

بطبيعة الحال، سيكون من السهل أن ينقسم الناس بين من يرى في هذه النتائج دليلاً على تراجع مستوى التعليم، ومن يعتبرها دليلاً على نجاح الدولة في فرض الصرامة داخل الامتحانات. لكن الحقيقة غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا من هذين التفسيرين.

لا أحد يختلف على أن محاربة الغش وتعزيز الشفافية أمران لا غنى عنهما. فالشهادة التي تُمنح دون استحقاق لا تخدم صاحبها، ولا تخدم الجامعة، ولا سوق العمل. ومن هذه الزاوية، فإن تشديد الرقابة وإرساء مبدأ تكافؤ الفرص يمثلان خطوة تستحق التقدير، حتى وإن انعكس ذلك على نسب النجاح.

لكن في المقابل، سيكون من الخطأ أن نكتفي بهذا التفسير. فالامتحان لا يصنع مستوى التلميذ، بل يكشف عنه. وإذا كانت أغلبية المترشحين لم تتمكن من اجتياز البكالوريا، فإن السؤال لا ينبغي أن يوجه إلى يوم الامتحان وحده، بل إلى السنوات التي سبقته. ماذا تعلم هؤلاء التلاميذ؟ وكيف كانت ظروف دراستهم؟ وهل حصلوا فعلًا على تعليم يؤهلهم لخوض هذا الاستحقاق؟

لا يمكن أن يتحمل التلميذ وحده مسؤولية النتيجة، لأن العملية التعليمية لا تقوم على طرف واحد. هناك مناهج قد تحتاج إلى مراجعة، ومدرسون يعمل كثير منهم في ظروف ليست سهلة، ومؤسسات تعليمية تعاني من تفاوت واضح في الإمكانات، فضلًا عن تحديات اجتماعية واقتصادية تؤثر، بشكل أو بآخر، في التحصيل الدراسي.

ومن بين الأرقام التي تستحق التوقف عندها، ما أعلنته الوزارة بشأن مدارس الامتياز، حيث بلغت نسبة النجاح فيها بين أبناء الطبقات الهشة أكثر من 64%. هذا الرقم يحمل رسالة مهمة؛ فهو يثبت أن النجاح ليس امتيازًا تمنحه الظروف الاجتماعية، بل ثمرة بيئة تعليمية جيدة، وتأطير مستمر، ومتابعة حقيقية للتلميذ. لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس لماذا نجحت مدارس الامتياز، وإنما لماذا لا تصبح هذه التجربة قاعدة بدل أن تبقى استثناءً؟

أما نسبة نجاح المترشحين الأحرار، التي لم تتجاوز 4.97%، فهي بدورها تدعو إلى التفكير. فهذه الفئة تضم شبابًا انقطعت بهم الدراسة لأسباب مختلفة، ثم قرروا منح أنفسهم فرصة جديدة. لكن الأرقام توحي بأن هذه المحاولة تتم في كثير من الأحيان دون دعم تربوي كافٍ، وهو ما يجعل فرص النجاح محدودة منذ البداية.

ومن الإشارات التي لا ينبغي إغفالها أيضًا، ارتفاع عدد المترشحين مقارنة بالعام الماضي. وهذا يعكس اتساع قاعدة الولوج إلى التعليم الثانوي، وهو تطور إيجابي في حد ذاته. غير أن التوسع في أعداد التلاميذ يجب أن يوازيه استثمار أكبر في جودة التعليم، لأن المدرسة لا تُقاس بعدد من يدخل أبوابها، وإنما بما تخرجه من كفاءات.

في تقديري، لا ينبغي أن تتحول نتائج البكالوريا إلى مناسبة للبحث عن مذنب، ولا إلى ساحة لتبادل الاتهامات. فالتعليم قضية أكبر من أن تختزل في نسبة نجاح أو رسوب. إنه مشروع وطني تتقاسم مسؤوليته الدولة، والأسرة، والمعلم، والتلميذ، والمجتمع بأكمله.

وربما يكون أهم ما كشفته نتائج هذا العام أنها وضعت الجميع أمام الحقيقة، مهما كانت قاسية. فالأرقام لا تجامل أحدًا، وهي تقول بوضوح إن المدرسة الموريتانية ما زالت بحاجة إلى عمل كثير، ليس فقط على مستوى الامتحانات، بل على مستوى كل ما يسبقها.

فالرهان الحقيقي لا يتمثل في رفع نسبة النجاح العام المقبل، وإنما في أن يكون كل نجاح نتيجة تعلم حقيقي. عندها فقط، ستستعيد البكالوريا قيمتها، وستستعيد المدرسة ثقة المجتمع، وسنكون قد انتقلنا من معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب، وهي المعركة التي تستحق أن تُخاض إذا كنا نريد تعليمًا يصنع المستقبل، لا مجرد شهادات تعلق على الجدران.