التأمين الإجباري في موريتانيا: من يدفع الثمن ومن يحصد العائد؟

بواسطة عبد الله لبات

يُفترض أن يكون التأمين الإجباري على السيارات إحدى أهم وسائل حماية المواطنين من الأضرار الناتجة عن حوادث السير. فالفكرة التي يقوم عليها هذا النظام بسيطة وعادلة: يساهم جميع أصحاب المركبات في صندوق مالي من خلال أقساط التأمين، وعندما يقع الضرر يجد المتضرر جهة تتولى تعويضه وإنصافه.

غير أن الواقع الذي يصفه كثير من المواطنين في موريتانيا يطرح تساؤلات جدية حول مدى تحقق هذه الغاية. فصاحب السيارة يدفع رسوم التأمين كل سنة لأنها شرط إلزامي لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه في المقابل لا يشعر بأن هذا التأمين يوفر له حماية حقيقية عند وقوع الحوادث. بل إن كثيرًا من المتضررين أصبحوا يدخلون أي نزاع مروري وهم مقتنعون مسبقًا بأن الحصول على تعويض عادل وسريع أمر بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا.

وفي المقابل، لا يبدو أن المتسبب في الحادث يشعر بوجود أثر ردعي فعلي للنظام. فحين يضعف احتمال التعويض الفعال، تضعف معه إحدى أهم وظائف التأمين، وهي تحميل السائق المتهور جزءًا من التكلفة الاقتصادية لسلوكه. ونتيجة لذلك لا يخسر المجتمع فقط نظامًا للتعويض، بل يخسر أيضًا أداة من أدوات الانضباط المروري.

لقد أدى هذا الوضع إلى نتائج تتجاوز الجانب المالي البحت. فضعف الثقة في فعالية التأمين ساهم في انتشار التسويات العشوائية خارج الأطر القانونية، وأضعف ثقة المواطنين في الإجراءات الرسمية، ورسخ لدى كثيرين شعورًا بأن احترام القوانين لا يترتب عليه بالضرورة حفظ الحقوق. وفي بيئة تعاني أصلًا من تحديات مرورية متزايدة، يصبح لذلك أثر مباشر على مستوى الانضباط والسلامة في الطرقات.

والمفارقة اللافتة أن الجدل حول هذا الملف لم يعد مقتصرًا على المواطنين، بل إن مسؤولين حكوميين أقروا بوجود اختلالات في القطاع وعدم رضا المواطنين عن مستوى الخدمات المقدمة. وهذا الاعتراف مهم لأنه ينقل النقاش من دائرة الانطباعات والشكاوى الفردية إلى دائرة الإقرار الرسمي بوجود مشكلة تستحق المعالجة.

لكن هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: إذا كانت السلطات تدرك وجود خلل مزمن في استفادة المواطنين من التأمين، فلماذا لم تنجح حتى الآن في فرض إصلاحات جذرية تضمن حصول المتضررين على تعويضات عادلة وسريعة؟

إن جوهر الإشكال لا يكمن في وجود شركات التأمين بحد ذاته، وإنما في استمرار منحها حق العمل داخل سوق إلزامية يشارك فيها جميع أصحاب المركبات، دون أن يقابل ذلك مستوى مماثل من الالتزام بحماية حقوق المتضررين. فحين يكون المواطن ملزمًا بالدفع، يصبح من حقه أن يتساءل عن الجهة التي تضمن له الحصول على الخدمة التي يدفع ثمنها.

ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في أهمية التأمين أو المطالبة بإلغائه، فالتأمين الإجباري معمول به في معظم دول العالم، بل يتعلق بالسؤال عن مدى فعاليته في الواقع الموريتاني. فنجاح أي نظام تأمين لا يُقاس بعدد الوثائق المباعة ولا بحجم الأقساط المحصلة، وإنما بقدرته على تعويض المتضررين وإنصافهم عند الحاجة.

إن استمرار الوضع الحالي يطرح إشكالية أعمق من مجرد قصور إداري أو تقني؛ فهو يضعف الثقة في السياسات العمومية نفسها. فحين يدفع المواطن مقابل خدمة لا يشعر بوجودها، ويستمر ذلك لسنوات رغم الاعتراف الرسمي بالمشكلة، يصبح من الطبيعي أن يتساءل: هل أصبحت الأولوية حماية حقوق المتضررين أم ضمان استمرارية القطاع القائم؟

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار للهدف الأصلي من التأمين: حماية المواطن. فكل ما عدا ذلك يبقى مجرد إجراءات إدارية وأعباء مالية لا تحقق الغاية التي فُرضت من أجلها.

ويبقى السؤال الذي ينتظر جوابًا مقنعًا: إذا كان التأمين إلزاميًا على المواطن، فمن الذي يضمن أن يكون التعويض إلزاميًا وفعّالًا على شركات التأمين؟

عبد الله لبات