تعيش موريتانيا منذ سنوات على وقع موجة متصاعدة من غلاء الأسعار أصبحت تشكل أحد أبرز مصادر القلق الاجتماعي والاحتقان الشعبي. فارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات والنقل والخدمات الأساسية لم يعد مجرد قضية اقتصادية تناقشها التقارير الرسمية، بل تحول إلى ضغط يومي يثقل حياة المواطنين، خصوصًا في ظل ضعف القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
ومع كل موجة ارتفاع جديدة، يتجدد السؤال داخل الشارع الموريتاني: هل تتحمل الحكومة المسؤولية الكاملة عن هذه الأزمة؟ أم أن البلاد تواجه أساسًا انعكاسات أزمة اقتصادية عالمية تتجاوز إمكاناتها؟
لا يمكن إنكار أن العالم شهد خلال السنوات الأخيرة اضطرابات اقتصادية عميقة بدأت مع جائحة كورونا، ثم تفاقمت بفعل الحروب الدولية وارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية. وقد انعكس ذلك على أسعار المواد الأساسية في أغلب دول العالم، بما فيها الاقتصادات الكبرى.
غير أن تأثير هذه الأزمات يبدو أكثر قسوة في الدول الهشة اقتصاديًا، ومنها موريتانيا، بحكم اعتمادها الكبير على الاستيراد وضعف إنتاجها المحلي. فحين تعتمد الأسواق بشكل واسع على الخارج في الغذاء والدواء والمواد الأساسية، تصبح أي أزمة دولية قادرة على الانتقال مباشرة إلى جيب المواطن البسيط.
لكن تفسير الأزمة بالعوامل الخارجية وحدها لا يكفي لفهم عمق المشكلة. فهناك أيضًا اختلالات داخلية ساهمت في تعقيد الوضع، من بينها ضعف الإنتاج الزراعي والصناعي، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، ومحدودية الرقابة على الأسواق، إضافة إلى هشاشة بنية اقتصادية ظلت لعقود قائمة أساسًا على التجارة والاستيراد أكثر من التصنيع والإنتاج.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال حساس يتعلق بطبيعة العلاقة بين الاقتصاد والسياسة في البلاد. فخلال عقود طويلة، تشكل جزء معتبر من الثروة المحلية حول أنشطة الاستيراد والتجارة، ما جعل بعض الفاعلين الاقتصاديين أكثر استفادة من استمرار الاقتصاد الريعي والاستهلاكي مقارنة بالتحول نحو اقتصاد إنتاجي حقيقي.
ولهذا تظهر أحيانًا مفارقة واضحة بين الخطاب الرسمي المتكرر حول دعم الإنتاج المحلي وتشجيع الاستثمار الوطني، وبين محدودية المشاريع الإنتاجية القادرة فعلًا على تقليل التبعية للخارج. فكثير من رجال الأعمال يعلنون دعمهم للاستثمار الزراعي أو الصناعي، لكن النشاط التجاري المرتبط بالاستيراد يظل في الواقع أكثر ربحًا وأسرع عائدًا وأقل مخاطرة من الدخول في مشاريع إنتاجية تحتاج وقتًا طويلًا وبنية تحتية مستقرة وتمويلًا مستدامًا.
كما أن جزءًا من الأزمة يرتبط بطبيعة الثقافة الاستثمارية السائدة داخل الاقتصاد المحلي، حيث ظل النشاط التجاري القائم على الاستيراد والربح السريع أكثر جاذبية من المشاريع الإنتاجية طويلة المدى. فالصناعة والزراعة تتطلبان رأس مال صبورًا، وإدارة تقنية، ودراسات سوق، وقدرة على تحمل المخاطر، بينما يوفر الاستيراد دورة ربح أسرع ومخاطر أقل نسبيًا.
وقد ساهمت هذه البيئة الاقتصادية، عبر سنوات طويلة، في ترسيخ نمط من الاستثمار يميل إلى التجارة والخدمات أكثر من التصنيع والإنتاج، ليس فقط بسبب خيارات رجال الأعمال أنفسهم، بل أيضًا نتيجة غياب الحوافز الكافية والبنية التحتية والاستقرار الاقتصادي الضروري لتشجيع المغامرة الاستثمارية الحقيقية.
ومن الملاحظ أيضًا أن الدولة شجعت خلال فترات مختلفة الاستثمار الزراعي، خصوصًا في مناطق الضفة ذات الإمكانات الزراعية الكبيرة، حيث استفاد رجال أعمال ومستثمرون من الحصول على مساحات واسعة من الأراضي تحت عنوان تطوير الزراعة وتحقيق الأمن الغذائي. غير أن جزءًا معتبرًا من هذه المشاريع لم يتحول إلى نهضة زراعية حقيقية بالقدر الذي كان مأمولًا.
ومع مرور الوقت، ظهرت تحولات في استخدام بعض تلك الأراضي، إذ أصبحت أجزاء منها أقرب إلى مجالات رعوية أو فضاءات غير مستغلة زراعيًا بشكل فعلي، ما أعاد النقاش حول جدية بعض المشاريع الاستثمارية، ومدى وجود متابعة حقيقية من الدولة لتنفيذ الالتزامات المرتبطة بمنح الأراضي الزراعية.
كما كشف ذلك عن مشكلة أعمق تتعلق بطبيعة السياسات الاقتصادية نفسها. فغياب رؤية طويلة المدى تحدد بوضوح الأولويات الوطنية بين الزراعة والرعي والاستثمار العقاري، إضافة إلى ضعف الرقابة والتخطيط، جعل بعض المبادرات الزراعية تتحول أحيانًا إلى مجرد واجهات استثمارية أكثر من كونها مشاريع إنتاجية استراتيجية قادرة على تعزيز الأمن الغذائي.
وتزداد حساسية هذه الإشكالات في بلد ما يزال يستورد نسبة كبيرة من احتياجاته الغذائية، رغم ما يمتلكه من إمكانات زراعية معتبرة في مناطق الضفة وحوض نهر السنغال. وهو ما يجعل المواطن يتساءل باستمرار: كيف تستمر أزمة الأسعار والاعتماد على الخارج رغم الحديث المتكرر منذ سنوات عن دعم الزراعة وتحقيق الاكتفاء الغذائي؟
وفي ظل هذه الظروف، تبدو احتجاجات المواطنين مفهومة إلى حد كبير، لأن المواطن لا يقيس الأزمة بالمؤشرات الاقتصادية المجردة، بل بقدرته اليومية على توفير حاجاته الأساسية. فحتى لو تحدثت التقارير الرسمية عن نسب تضخم “محدودة نسبيًا”، فإن تأثير الغلاء يبقى قاسيًا حين لا ترافقه زيادة حقيقية في الدخل وفرص العمل وتحسن ملموس في الخدمات.
كما تكشف الأزمة عن فجوة متزايدة بين الخطاب الاقتصادي الرسمي وبين شعور قطاعات واسعة من المواطنين الذين يرون أن آثار النمو أو المشاريع الكبرى لا تنعكس بصورة واضحة على حياتهم اليومية.
ومع ذلك، فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتم فقط عبر الحلول الظرفية أو الإجراءات المؤقتة، لأن المشكلة أعمق من مجرد ارتفاع عابر للأسعار. فالتحدي الحقيقي أمام الحكومة يتمثل في بناء اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج وأقل هشاشة أمام تقلبات الخارج، من خلال دعم الزراعة والصناعة، وتحسين البنية التحتية، وتطوير الطاقة والنقل، وتعزيز المنافسة والشفافية داخل الأسواق.
وفي النهاية، تبدو أزمة الأسعار في موريتانيا نتيجة تداخل بين عوامل عالمية حقيقية واختلالات داخلية تراكمت عبر سنوات طويلة. لذلك فإن اختزال الأزمة في “أزمة عالمية فقط” أو في “فشل حكومي كامل” لا يساعد على فهمها بعمق. فبين ضغط الشارع وتعقيدات الاقتصاد، تجد موريتانيا نفسها أمام سؤال حقيقي يتعلق بمستقبل نموذجها الاقتصادي: هل تستمر في اقتصاد يقوم أساسًا على الاستيراد والربح السريع، أم تنجح أخيرًا في بناء اقتصاد إنتاجي أكثر استقرارًا وعدالة وقدرة على مواجهة الأزمات؟







