أولاً: الموضوع: من أجل تعليق فوري وإعادة تأسيس دستوري سليم لإجراءات اختيار أعضاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد
فخامة الرئيس،
إن إنشاء سلطة وطنية لمكافحة الفساد يُعد ضرورة مؤسسية كبرى، ولا يمكن اعتباره ترفاً سياسياً أو مجرد واجهة إدارية. فهو استجابة لمقتضى وطني وأخلاقي واقتصادي واستراتيجي يتمثل في استعادة الثقة العامة، وضمان الحكامة الرشيدة، وحماية الموارد الوطنية.
غير أن مسطرة الانتقاء الجارية حالياً تثير تساؤلات جدية بشأن مدى انسجامها مع المبادئ الدستورية الأساسية، ولا سيما :
المساواة في الولوج إلى الوظائف العمومية
مشروعية الأعمال الإدارية
شفافية إجراءات الانتقاء
الرقابة على الخطأ البين في التقدير
فهذه المبادئ ليست ثانوية، بل تمثل الركيزة الأساسية لدولة القانون.
ثانياً: بشأن المساس بمبدأ المساواة في الولوج إلى الوظائف العمومية
إن حصر قبول الملفات في ثلاث تخصصات فقط (القانون، الاقتصاد، المالية) يشكل تمييزاً غير مبرر بالنظر إلى طبيعة وأهداف المؤسسة ذاتها.
فالفساد المعاصر لا يقتصر على الترتيبات القانونية أو المالية، بل يتغلغل في :
• الصفقات العمومية
• البنى التحتية
• مشاريع الهندسة المدنية
• دراسات الأثر البيئي
• المشاريع الكبرى المهيكلة
وفي موريتانيا، غالباً ما تعود إخفاقات مشاريع التنمية إلى اختلالات تقنية (في الهندسة المدنية) أو بيئية أو تعاقدية، يتم إخفاؤها تحت غطاء شكلي من المشروعية القانونية والمحاسبية.
فالفاسدون كما المفسدون يجيدون احترام الشكل القانوني والمحاسبي لجرائمهم. وقصر الانتقاء على هذه التخصصات يعني إغفال المجالات التي يتخذ فيها الفساد طابعاً تقنياً معقداً.
وإن لم يتم فتح المجال أمام جميع التخصصات العلمية ذات الصلة، فإنه من الضروري – قانونياً ومؤسسياً – إدراج تخصصي:
• البيئة
• الهندسة المدنية
وإلا فإن المسطرة قد تُفهم على أنها موجهة أو معدّة سلفاً.
ثالثاً: بشأن عدم كفاية المستوى الأكاديمي المطلوب (باك + 4)
إن اشتراط مستوى باك + 4 لمؤسسة يُنتظر منها:
• قيادة تحقيقات معقدة
• إجراء عمليات تدقيق معمقة
• تقييم السياسات العمومية
• إنتاج تحليلات استراتيجية
• صياغة توصيات معيارية
يُعد مستوى أكاديمياً غير كافٍ بوضوح.
فالطبيعة التقنية العالية للمهام تستوجب حداً أدنى من باك + 5، مع تفضيل الحاصلين على:
• ماستر متخصص
• دكتوراه
• وأعمال بحثية أو منشورات علمية حول الفساد في موريتانيا
فلا يمكن لمؤسسة مكلفة بحماية النزاهة الوطنية أن تُبنى على معايير أكاديمية دنيا.
رابعاً: بشأن اشتراط 15 سنة خبرة حصراً في الإدارة العمومية الموريتانية
إن اشتراط 15 سنة من الخبرة داخل الإدارة العمومية الموريتانية يطرح تساؤلاً جوهرياً:
هل يمكن اعتبار الانتماء المطول إلى جهاز إداري يعاني من مستويات مرتفعة من الفساد ضمانة كافية للنزاهة؟
إن إنشاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد جاء أصلاً نتيجة الإقرار بالحاجة إلى تصحيح مؤسسي.
وهذا الشرط:
• يُقصي الخبرات الوطنية المستقلة
• يتجاهل الكفاءات العاملة في مجال الاستشارات
• يُبعد خبرات القطاع الخاص
• يُهمّش الكفاءات الموريتانية في المهجر
• يضيّق بشكل غير مبرر دائرة الترشح
ويمكن اعتبار هذا القيد إخلالاً بمبدأ المساواة وخطأً بيناً في التقدير.
خامساً: بشأن الشفافية وخطر التعيين المسبق
إن الصيغة القائلة:
« ستختار اللجنة 12 ويختار رئيس الجمهورية 6 »
قد تثير انطباعاً بوجود اختيار معدّ سلفاً إذا لم يتم توسيع المعايير وضبطها بموضوعية وصرامة.
ولا ينبغي تحميل رئيس الدولة – المثقل بمسؤوليات جسيمة في سياق وطني وإقليمي ودولي دقيق، يتسم بصراعات مسلحة وصدمات نفطية جديدة – تبعات اختيارات قد تكون محل جدل أو طعن.
ويجب أن يكون الأعضاء الستة المختارون:
• محل إجماع موضوعي
• ذوي مصداقية علمية
• مشهود لهم بالنزاهة
• ذوي كفاءة تقنية عالية
سادساً: مقترح تركيبة مثلى لـ«الستة غير القابلين للفساد»
لضمان فعالية ومصداقية السلطة الوطنية لمكافحة الفساد، ينبغي أن تشمل التخصصات الآتية:
خبير في التدقيق المالي والمحاسبي
قانوني مختص في تكييف الوقائع والقانون الجنائي الاقتصادي
خبير بيئي متخصص في التدقيق البيئي
مهندس في الهندسة المدنية مختص في مراقبة الأشغال العمومية
ضابط من الشرطة الاقتصادية ذو خبرة في التحقيقات
مفتش دولة مختص في التحقيقات المالية
ويجب أن:
• يكونوا معروفين بالنزاهة
• حاصلين على باك + 5 كحد أدنى
• لهم أبحاث أو منشورات حول الفساد في موريتانيا
• يمتلكوا مساراً مهنياً يثبت الاستقلالية والاستقامة
سابعاً: بشأن ضرورة التعليق التحفظي للإجراءات
نظراً إلى:
• القيود غير المبررة على التخصصات
• ضعف المستوى الأكاديمي المطلوب
• الشرط المقيد للخبرة الإدارية
• خطر المساس بالمبادئ الدستورية
فإن من المشروع قانوناً المطالبة بـ:
• التعليق الفوري للإجراءات الجارية
• مراجعة معايير الانتقاء
• توسيع التخصصات المقبولة
• رفع المستوى الأكاديمي المطلوب
• تنويع الملفات المقبولة
الخاتمة
إن سلطة لمكافحة الفساد تُؤسس على أسس غير سليمة قد تُقوض مصداقية الدولة على المدى البعيد.
أما سلطة مؤسسة على أسس علمية راسخة، وسليمة قانونياً، وغير قابلة للطعن أخلاقياً، فستشكل:
• ركيزة لدولة القانون
• أداة لتعزيز السيادة المؤسسية
• رسالة قوية للشركاء الدوليين
• بارقة أمل للمواطنين
ولا يزال الوقت متاحاً للتحرك.
إن التعليق من أجل إعادة التأسيس ليس تراجعاً، بل هو تجسيد للمسؤولية الدستورية.
وتفضلوا، فخامة الرئيس، بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام الجمهوري.
محمد ولد محمد الأمين
شهادة المتريز في الاقتصاد – التسيير1990، صحفي مستقل







