حين تحدثت السلطة بلغة المهمشين قراءة في التحول الخطابي للدولة الموريتانية بين الاعتراف والاحتواء

بواسطة عبد الله لبات

عرف الخطاب السياسي الرسمي في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا، خصوصًا مع خطابات محمد ولد الشيخ الغزواني في مناسبات متعددة مثل وادان، وجول، وغيرها من المحطات التي حملت مضامين اجتماعية وسياسية غير مألوفة في الخطاب الرسمي التقليدي.

فبعد عقود ظل الحديث فيها عن التهميش والغبن الاجتماعي والفوارق البنيوية حكرًا على الحركات الاحتجاجية والمعارضة السياسية والنخب المطلبية، أصبحت الدولة نفسها تتبنى جزءًا معتبرًا من هذه اللغة، وتتحدث عن “الإنصاف”، و“الطبقات الهشة”، و“العدالة الاجتماعية”، و“محاربة الفوارق”.

هذا التحول لم يكن مجرد تغيير لغوي عابر، بل يعكس تطورًا مهمًا في طريقة إدارة الدولة لعلاقتها بالمجتمع، خاصة مع الفئات التي شعرت تاريخيًا بأنها خارج دوائر النفوذ والتمثيل الحقيقي.

غير أن أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في تبني خطاب المهمشين من أعلى هرم السلطة، بل في المفارقة التي رافقته؛ إذ بينما أصبح خطاب العدالة الاجتماعية حاضرًا بقوة داخل اللغة الرسمية للدولة، لا تزال شرائح واسعة من الفئات المهمشة ترى أن حضورها داخل مراكز القرار والإدارة والتأثير السياسي لا يعكس حجمها الاجتماعي ولا مستوى الكفاءات الموجودة داخلها.

وهنا يبرز السؤال الجوهري:

هل نحن أمام تحول سياسي حقيقي في نظرة الدولة إلى الاختلالات الاجتماعية؟ أم أمام عملية احتواء ناعم لخطاب المظلومية بهدف امتصاص الاحتقان وإعادة ضبط المجال الاجتماعي والسياسي؟

انتقال خطاب المظلومية من الهامش إلى المركز

لفترة طويلة، ارتبط الحديث عن:

التفاوت الاجتماعي،

ضعف تكافؤ الفرص،

غياب العدالة في التمثيل،

والإقصاء الرمزي لبعض الفئات،

بخطاب المعارضة والحركات الحقوقية وبعض النخب الاجتماعية المطالبة بإعادة النظر في بنية الدولة والمجتمع.

وكانت السلطة، في الغالب، تتعامل مع هذه الملفات بحذر شديد، انطلاقًا من حساسية التوازنات التقليدية التي حكمت المجال السياسي والاجتماعي لعقود.

لكن خلال السنوات الأخيرة حدث تحول واضح؛ إذ بدأت الدولة نفسها تتحدث بلغة أقرب إلى خطاب الاحتجاج، وتعترف — ولو ضمنيًا — بوجود تراكمات تاريخية واختلالات اجتماعية تحتاج إلى معالجة.

وقد منح هذا التحول السلطة قدرة كبيرة على امتصاص جزء معتبر من الغضب الاجتماعي، لأن الاعتراف بالمشكلة من طرف الدولة يحمل دائمًا وزنًا رمزيًا وسياسيًا كبيرًا، خاصة في مجتمع تقليدي مثل المجتمع الموريتاني، حيث لا يتعلق التهميش فقط بالبعد الاقتصادي، بل أيضًا بالإحساس بالمكانة والاعتراف والاندماج داخل السردية الوطنية.

الاعتراف الرمزي وحدود التحول الواقعي:

لا يمكن إنكار أن الخطاب الرسمي الجديد ساهم في:

تخفيف حدة بعض أشكال الاحتقان،

وإدخال مفاهيم العدالة الاجتماعية إلى المجال السياسي الرسمي،

ومنح الفئات الهشة شعورًا أكبر بالاعتراف الرمزي.

كما أن برامج اجتماعية مثل “التآزر” عززت صورة الدولة باعتبارها أكثر اقترابًا من الفئات الضعيفة مقارنة بمراحل سابقة.

لكن، في المقابل، فإن الاعتراف بالمشكلة لا يعني بالضرورة حلها.

فالفئات المهمشة لا تبحث فقط عن خطاب متعاطف، بل عن:

مشاركة فعلية في تسيير الدولة، وتكافؤ حقيقي في الفرص، وحضور متوازن داخل مؤسسات القرار،

وإعادة توزيع أكثر عدالة للنفوذ الرمزي والإداري والاقتصادي.

وهنا تظهر حدود التحول الحالي؛ إذ لا تزال قطاعات واسعة من هذه الشرائح ترى أن مستوى تمثيلها داخل الدولة لا يوازي حجمها الاجتماعي، رغم كثرة الأطر والمثقفين والكفاءات المنحدرة منها.

بمعنى آخر، يبدو أن الدولة تبنت خطاب المهمشين بصورة أسرع مما تبنت تمكينهم الحقيقي داخل البنية العميقة للنظام السياسي والإداري.

بين الإصلاح واحتواء المجال الاجتماعي:

من الناحية السياسية، يصعب فصل هذا التحول الخطابي عن التحولات التي شهدها المجتمع الموريتاني نفسه خلال السنوات الأخيرة:

ارتفاع مستوى الوعي، انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تصاعد خطاب الحقوق والمساواة،

وظهور نخب جديدة داخل الفئات المهمشة قادرة على التأثير في المجال العام.

فالدولة لم تعد قادرة على تجاهل هذه الأسئلة كما كان يحدث في السابق، لأن كلفة الإنكار أصبحت أعلى سياسيًا واجتماعيًا.

لكن في الوقت نفسه، فإن تبني السلطة لخطاب المظلومية يمنحها أيضًا أداة فعالة لإعادة احتواء المجال الاحتجاجي.

فالسلطة حين تستوعب لغة الاحتجاج داخل خطابها الرسمي، فإنها تُضعف جزئيًا احتكار المعارضة والحركات المطلبية لهذه القضايا، وتعيد توجيهها داخل إطار الدولة نفسها.

وهنا تكمن الطبيعة المزدوجة لهذا التحول:

فمن جهة، يحمل اعترافًا نسبيًا باختلالات حقيقية،

ومن جهة أخرى، يؤدي وظيفة سياسية تهدف إلى التهدئة وإدارة التوازنات الاجتماعية.

هل تغيرت الدولة أم تغير الخطاب فقط؟

حتى الآن، يبدو أن التحول الخطابي كان أوضح من التحول البنيوي.

فلا تزال إشكالات:النفوذ التقليدي، وضعف تكافؤ الفرص، وهشاشة التعليم، ومركزية الإدارة، والتفاوت الاجتماعي، قائمة بدرجات متفاوتة.

ولهذا، فإن الحكم على هذا المسار لا يمكن أن يتم من خلال الخطابات وحدها، بل من خلال قدرة الدولة على تحويل الاعتراف الرمزي إلى إصلاحات مؤسساتية تعيد بناء العلاقة بين الدولة والفئات التي ظلت تشعر بالتهميش لعقود.

لأن أخطر ما قد تواجهه أي سلطة هو رفع سقف التوقعات الاجتماعية عبر خطاب إصلاحي، دون أن ترافق ذلك تحولات حقيقية في بنية الفرص والتمثيل.

لقد نجح خطاب محمد ولد الشيخ الغزواني في نقل قضايا كانت تُطرح من الهامش إلى قلب اللغة الرسمية للدولة، وهو تحول سياسي مهم في السياق الموريتاني.

غير أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بالاعتراف بالمظالم، بل بمدى القدرة على تحويل هذا الاعتراف إلى شراكة فعلية داخل الدولة والمجتمع.

فالفئات المهمشة لا تريد فقط أن تسمع نفسها في خطابات السلطة، بل تريد أن ترى نفسها أيضًا داخل مؤسسات القرار، باعتبارها جزءًا كاملًا من الدولة، لا مجرد موضوع دائم للحديث السياسي.

عبد الله لبات