بين الكركرات وتندوف: أين تكمن مصلحة موريتانيا/ احمد محمد حماده

بواسطة محمد محمود ولد احمد

بين الكركرات وتندوف: أين تكمن مصلحة موريتانيا؟ 
بقلم احمد محمد حماده 
كاتب ومحلل سياسي

في لحظة إقليمية تتسم بإعادة تشكيل موازين القوى وتبدّل أولويات الشراكات، تجد موريتانيا نفسها في موقع جغرافي وسياسي دقيق، يفرض عليها إدارة علاقات متوازنة مع شريكين إقليميين بارزين: الجزائر والمغرب. غير أن هذا التوازن لم يعد مجرد خيار دبلوماسي، بل أصبح ضرورة استراتيجية تمليها اعتبارات الأمن والاقتصاد، وتحديات الجوار، وتقلبات الإقليم.

منذ السنوات الأولى للاستقلال، واجهت موريتانيا تحديًا مركزيًا تمثل في بناء مؤسسات سيادية قادرة على إدارة اقتصاد ناشئ في ظل محدودية الخبرات. وفي هذا السياق، برزت الجزائر — الخارجة حديثًا من تجربة تحرر وطني مماثلة — كشريك داعم، خاصة في المجال المالي والنقدي. ومع القرار المفصلي سنة 1973 بإنشاء البنك المركزي وإطلاق العملة الوطنية “الأوقية”، شكّلت التجربة الجزائرية أحد المراجع التي ألهمت هذا التحول نحو السيادة النقدية، سواء عبر نقل الخبرات أو من خلال تكوين الأطر الموريتانية التي تولّت لاحقًا إدارة المؤسسات المالية.

لكن هذا المسار لم يكن خطيًا. فمنتصف السبعينيات حمل أول اختبار حقيقي للعلاقة، مع تباين المواقف حول نزاع الصحراء الغربية، قبل أن تستعيد العلاقات توازنها تدريجيًا بعد انسحاب موريتانيا من النزاع سنة 1979. ومنذ ذلك الحين، أخذ التقارب طابعًا أكثر براغماتية، خاصة مع تصاعد التحديات الأمنية في منطقة الساحل، حيث أصبح التنسيق الموريتاني الجزائري عنصرًا أساسيًا في مقاربة مواجهة التهديدات العابرة للحدود.

وفي امتداد هذا المشهد، تبرز مالي كعامل مؤثر في معادلة الأمن بالنسبة للبلدين. فالتقلبات السياسية في باماكو، وتغيّر طبيعة شراكاتها، وانعكاس ذلك على سلوكها الإقليمي، كلها عوامل دفعت نواكشوط والجزائر إلى تعزيز التنسيق بينهما، ليس في إطار اصطفاف، بل في سياق إدارة المخاطر المشتركة. فالتقارب هنا يبدو خيارًا واقعيًا لاحتواء تداعيات الفراغ الأمني، وضبط الحدود، والتعامل مع بيئة إقليمية تتسم بقدر متزايد من عدم اليقين.

وفي سياق إقليمي موازٍ، كشفت أحداث 1989 بين موريتانيا والسنغال عن مدى تشابك الحسابات الإقليمية. فقد تبنّت الجزائر موقفًا حذرًا يميل إلى التهدئة والدعوة إلى الحلول السياسية، بينما بدا الموقف المغربي أقرب إلى السنغال في تموضعه الدبلوماسي آنذاك، ما عكس طبيعة علاقاته وتوازناته في تلك المرحلة. وقد أبرزت تلك الأزمة أن موريتانيا، حتى في أزماتها الثنائية، تظل جزءًا من تفاعلات إقليمية أوسع تتجاوز حدودها المباشرة.

أما العلاقة مع المغرب، فلا يمكن فهمها دون العودة إلى بداياتها المعقدة. ففي سنوات ما بعد الاستقلال، تبنّت الرباط أطروحة تعتبر موريتانيا جزءًا من المجال الترابي المغربي، قبل أن تتجه سنة 1969 إلى الاعتراف الرسمي بها، في تحول مفصلي أنهى مرحلة الالتباس وفتح الباب أمام بناء علاقة قائمة على التعاون. ومنذ ذلك الحين، ترسخت شراكة اقتصادية وتجارية قوية، جعلت من المغرب فاعلًا حاضرًا في تفاصيل السوق الموريتانية، خاصة عبر معبر الكركرات الذي أصبح شريانًا حيويًا للتبادل التجاري.

وهنا تتضح معالم المعادلة: المغرب حاضر بقوة في التجارة والخدمات وسلاسل الإمداد، بينما تبرز الجزائر كشريك استراتيجي في مجالات الطاقة والأمن، مع إمكانات اقتصادية صاعدة. هذا التباين لا يعكس تناقضًا بقدر ما يفتح أمام موريتانيا فرصة لإدارة تنوع في الشراكات، بدل الارتهان لطرف واحد.

غير أن هذا التنوع يضع نواكشوط أمام اختبار دائم: كيف تحافظ على توازنها في ظل تنافس إقليمي محتدم؟ وكيف تمنع تحوّل هذا التوازن إلى هشاشة؟

في هذا السياق، يبرز مبدأ بسيط في صياغته، عميق في دلالته: موريتانيا أولًا. فالعلاقة مع الجزائر والمغرب يجب أن تُبنى على أساس حساب دقيق للمصلحة الوطنية، لا على منطق المجاملة أو الانجذاب إلى محاور النفوذ. وهذا يقتضي توزيعًا ذكيًا للأدوار: الاستفادة من دينامية السوق المغربية في التجارة والخدمات، مقابل توظيف الشراكة مع الجزائر لتأمين احتياجات الطاقة وتقليل كلفة الإنتاج.

إن ما تحتاجه موريتانيا اليوم ليس الاختيار بين الكركرات وتندوف، بل القدرة على تحويلهما معًا إلى رافعتين لمشروع وطني متكامل. فالقضية ليست في المفاضلة، بل في حسن التوظيف.

تعتمد نواكشوط، في هذا الإطار، على دبلوماسية يمكن وصفها بـ“التوازن الذكي”، تسعى من خلالها إلى الحفاظ على علاقات إيجابية مع الجميع، دون الانخراط في صراعات المحاور. غير أن هذا التوازن يظل رهينًا بقدرة الدولة على تحويله إلى مكاسب ملموسة، لا مجرد موقف سياسي.

في المحصلة، لا تختار موريتانيا بين الجزائر والمغرب بقدر ما تختار موقعها بينهما. موقع يتطلب دقة في الحساب، ووضوحًا في الرؤية، وجرأة في القرار.

فبين الكركرات وتندوف… لا تُقاس الخيارات بالمسافة، بل بالمصلحة.