استهداف خزّانات النفط في طهران: جريمة تتجاوز حدود الحرب إلى تدمير الإنسان والبيئة والتراث/ أبوالفضل كريمي

بواسطة وكالة الإعلام …

لم يكن استهداف خزّانات النفط في طهران مجرّد هجوم عسكري عابر على منشأة مدنية، بل مثّل فعلًا شديد الخطورة كشف عن طبيعة الاعتداءات التي لا تكتفي بإيقاع الخسائر المادية المباشرة، وإنما تمتدّ آثارها لتطال البيئة والصحة العامة والأمن الغذائي والذاكرة الحضارية لمدينة بأكملها. ففي ليلة 7 مارس/آذار 2026، تعرّضت ثلاثة مجمّعات رئيسية لخزّانات النفط في مناطق شهران وشهر ري وكوهك في العاصمة الإيرانية لهجوم مباشر، ما أدى إلى اندلاع حرائق هائلة وتصاعد أعمدة كثيفة من الدخان الأسود ظلّت ماثلة في سماء طهران لساعات طويلة. ومع السعة الكبيرة لهذه الخزّانات، التي بلغت نحو 215 مليون لتر، تحوّلت الحادثة إلى كارثة مركّبة لا يمكن اختزالها في بعدها العسكري أو التقني فقط، لأنها سرعان ما انعكست على حياة ملايين المدنيين في مدينة ضخمة ومكتظّة مثل طهران. 
إن أخطر ما في هذا الهجوم هو نوع التلوّث الذي خلّفه. فالمسألة لم تقتصر على دخان كثيف يحجب الرؤية أو يثير الذعر بين السكان، بل نتج عنه مزيج شديد السميّة من الغازات والجسيمات الدقيقة والمركّبات العضوية الخطرة والفلزات الثقيلة. وقد أظهرت التقديرات الأولية انبعاث مئات آلاف الأطنان من ثاني أكسيد الكربون، إلى جانب كميات كبيرة من الجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين والكبريت والمركّبات العضوية المتطايرة، وهي جميعًا عناصر ذات أثر بالغ على جودة الهواء وصحة الإنسان واستقرار البيئة. ويزداد المشهد خطورة عندما يقترن هذا النوع من الحرائق بهطول الأمطار، كما حدث في اليوم التالي للهجوم، حيث اختلطت الملوّثات بمياه الأمطار لتشكّل ما يشبه المطر الأسود أو المطر الحمضي، الأمر الذي أدى إلى انتقال المواد السامّة إلى التربة والموارد المائية، وفتح الباب أمام دورة تلوّث طويلة الأمد لا تتوقف بانطفاء النيران. 
أما من الناحية الصحية، فإن انعكاسات هذه الجريمة كانت فورية ومقلقة في آن معًا. فقد دخلت المراكز العلاجية في طهران حالة استنفار، وتلقّى المواطنون، ولا سيما كبار السن ومرضى القلب والجهاز التنفسي، تحذيرات من مغادرة منازلهم أو التعرض للهواء الطلق. ولم يكن ذلك إجراءً احترازيًا مبالغًا فيه، بل استجابة منطقية لحجم الخطر الناجم عن استنشاق الجسيمات الدقيقة والمواد الكيميائية السامّة، وفي مقدّمتها البنزين وغيره من المركّبات المسرطنة. إن التعرض لمثل هذه الانبعاثات لا يؤدي فقط إلى ضيق التنفس وحرقة العينين والحنجرة والتهاب الشعب الهوائية، بل يرفع كذلك احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة تشمل السرطان وأمراض القلب واضطرابات الجهاز العصبي ومضاعفات الحمل، خصوصًا لدى الفئات الأكثر هشاشة. وتكمن المأساة الحقيقية في أن الأثر الصحي لهذا النوع من الكوارث لا يقتصر على أيام الأزمة، بل قد يمتدّ لسنوات بسبب بقاء الملوّثات في الهواء والتربة والمياه، وعودتها إلى الأجواء كلما تغيّرت الظروف المناخية أو تحرّكت الرياح. 
ولم تكن الأرض الزراعية والموارد الغذائية بعيدة عن هذا الخطر. فالتسرّب الواسع للهيدروكربونات الثقيلة والمركّبات السامّة إلى التربة، ولا سيّما في منطقة سهل ري التي تُعدّ من أهم المناطق الزراعية المزوّدة للعاصمة، يهدّد بشكل مباشر سلامة المنتجات الزراعية والأمن الغذائي للسكان. إن وصول المواد النفطية والفلزات الثقيلة إلى التربة والمياه الجوفية يعني عمليًا دخول التلوث إلى السلسلة الغذائية، سواء عبر امتصاصه من قبل النباتات أو عبر انتقاله إلى الحيوانات التي تتغذّى على الأعلاف والمياه الملوّثة. وفي مثل هذه الحالات، لا يعود الخطر محصورًا في محصول زراعي واحد أو موسم محدد، بل يتحوّل إلى تهديد مستمرّ قد يستمرّ لسنوات طويلة، لأن التربة الملوّثة تتحوّل هي نفسها إلى مصدر دائم لنشر السموم. وهذا ما يجعل الهجوم على منشآت الوقود اعتداءً غير مباشر على حق الناس في الغذاء الآمن، وعلى قدرة المجتمع في الحفاظ على توازنه الصحي والاقتصادي في المدى البعيد. 
ولا تقلّ الخسائر الثقافية والحضارية خطورة عن بقية الأضرار. فطهران ليست مجرّد عاصمة سياسية، بل مدينة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعمارة والذاكرة الوطنية. وقد أصابت آثار الدخان الكثيف والأمطار الحمضية عددًا كبيرًا من المباني التاريخية والمتاحف والحدائق ذات القيمة الثقافية العالية. فالمواد الحمضية تهاجم الأحجار الكلسية والرخامية والآجرّ التقليدي، وتؤدي إلى تآكلها وتفككها التدريجي، كما تهدّد الزخارف الدقيقة من قاشاني وجصّ ومرايا، وتعرّض المقتنيات المتحفية واللوحات والمنسوجات والأوراق التاريخية لأضرار قد تكون غير قابلة للإصلاح. وحتى الحدائق التاريخية، بما تمثّله من جزء حيّ من هوية المدينة، تواجه خطر التدهور نتيجة تغيّر خصائص التربة وتأثر الأشجار المعمّرة والمسطحات النباتية بالأمطار الحمضية. ومن هنا، فإن هذا الهجوم لا يمكن النظر إليه باعتباره اعتداءً على البنية التحتية فقط، بل هو أيضًا اعتداء على الذاكرة الثقافية والحضارية لمدينة بأكملها. 
إن القراءة الشاملة لهذه الواقعة تقود إلى نتيجة واضحة: استهداف خزّانات النفط في منطقة مدنية مكتظّة لا يندرج ضمن الأعمال العسكرية التقليدية فحسب، بل يرقى إلى جريمة ذات أبعاد إنسانية وبيئية وحضارية واسعة. فحين يُستهدف مرفق مدني بهذا الحجم، وتترتب على ذلك أضرار تمسّ الهواء والماء والغذاء والصحة والتراث، فإن الأمر يتجاوز حدود الحرب ليصبح نموذجًا صارخًا للتدمير المركّب الذي تمارسه القوة المعتدية بحق الإنسان وبيئته ومستقبله. ومن هذا المنطلق، فإن مثل هذه الأفعال تستوجب إدانة دولية واضحة، ومساءلة قانونية جادّة، وتحركًا عاجلًا يضمن عدم الإفلات من العقاب، لأن السكوت على هذا النوع من الجرائم لا يعني فقط التساهل مع انتهاك القانون الدولي، بل يعني أيضًا التسليم بإمكانية تحويل المدن وسكانها وتراثها إلى ضحايا مفتوحة لحرائق الحرب والتلوث والتخريب طويل الأمد.

أبوالفضل كريمي / مستشار سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في نواكشوط