موريتانيا بين واقعية القرار وقلق الشارع
بقلم: أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي
في لحظات الأزمات، لا تُقاس القرارات بجرأتها فقط، بل بقدرتها على الصمود أمام آثارها. وما أعلنته الحكومة من زيادات في أسعار الغاز والمحروقات، ليس حدثاً عادياً في سياق اقتصادي رتيب، بل هو تحوّل فعلي في فلسفة التدخل العمومي، وانتقال تدريجي من منطق الدعم الشامل إلى منطق التوازنات الصعبة.
لقد اختارت الدولة أن تواجه الحقيقة كما هي: كلفة الدعم لم تعد محتملة، واستمرارها بالشكل السابق يهدد توازن المالية العامة. لكن هذه الحقيقة، وإن كانت مفهومة في لغة الأرقام، فإنها ثقيلة في لغة الواقع الاجتماعي، حيث لا تُقاس الأعباء بالميزانيات، بل بقدرة المواطن على الاحتمال.
رفع أسعار الغاز، وإن ظل مدعوماً جزئياً، سيصل مباشرة إلى مطابخ الفقراء قبل موائد الأغنياء. وزيادة المحروقات لن تقف عند حدود محطات الوقود، بل ستتسلل بهدوء إلى كل شيء: النقل، الغذاء، الخدمات… أي إلى تفاصيل الحياة اليومية التي لا ترحم.
وفي المقابل، حاولت الحكومة أن تُرفق قراراتها بحزمة من الإجراءات الاجتماعية: رفع الحد الأدنى للأجور، دعم نقدي للأسر الهشة، منح للموظفين ذوي الدخل المحدود. وهي خطوات لا يمكن إنكار أهميتها، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً: هل يمكن لإجراءات مؤقتة أن تُعادل آثار زيادات دائمة؟
هنا تحديداً يكمن جوهر الإشكال.
فالدولة، وهي تُعيد ترتيب أولوياتها، تحاول أن تمسك العصا من الوسط: تخفيف الضغط عن الميزانية دون كسر ظهر المواطن. لكنها تسير على خيط رفيع، لأن أي اختلال في هذا التوازن قد يُحوّل الإصلاح الاقتصادي إلى عبء اجتماعي، وربما إلى احتقان صامت يتراكم ببطء.
أما الإجراءات المصاحبة لترشيد الإنفاق، من تقليص البعثات والورشات إلى الاقتطاعات من رواتب كبار المسؤولين، فهي تحمل دلالة سياسية لا تخلو من الذكاء: رسالة مفادها أن التقشف ليس موجهاً إلى الأسفل فقط. ومع ذلك، فإن قيمتها الحقيقية تبقى رمزية أكثر منها مالية، لأن معركة الإصلاح لا تُحسم بالإشارات، بل بالنتائج.
ويبقى القرار الأكثر إثارة للنقاش، ذاك المتعلق بحظر تجول السيارات بعد منتصف الليل. فهو، وإن قُدّم في سياق ترشيد الاستهلاك، يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بالحريات، وبطبيعة العلاقة بين الدولة والمجال العام.
في النهاية، لا يمكن قراءة هذه القرارات خارج سياق أوسع: عالم مضطرب، أسعار طاقة متقلبة، وضغوط دولية تدفع نحو تقليص الدعم وإعادة هيكلة الاقتصاد. لكن خصوصية الحالة الموريتانية تفرض شيئاً إضافياً: حساسية اجتماعية عالية، وهشاشة في القدرة الشرائية، وهو ما يجعل أي إصلاح اقتصادي اختباراً سياسياً بامتياز.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تعديل في الأسعار، بل هو بداية مرحلة جديدة، عنوانها: من يدفع كلفة التوازن؟
وحده الزمن سيُجيب، لكن المؤكد أن نجاح هذه المرحلة لن يُقاس بما توفره من أرقام في دفاتر الدولة، بل بما تحفظه من كرامة في حياة الناس.







