في خضم الحديث الرسمي عن تداعيات الأزمات الدولية وارتفاع أسعار الطاقة، تتجه الحكومة نحو تبني سياسة تقشف تُقدَّم للرأي العام على أنها خيار لا مفرّ منه، كما عبّر عن ذلك الوزير الناطق باسم الحكومة.
غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات عميقة حول مدى ارتباط الأوضاع الداخلية فعلاً بما يجري خارج الحدود، وحول حدود مسؤولية الحكومة في ما يعيشه المواطن من ضغوط معيشية متزايدة.
فعندما يُستدعى البعد الدولي لتفسير الاختلالات الاقتصادية، يغيب في المقابل نقاش جاد حول الاختلالات البنيوية التي سبقت تلك الأزمات بسنوات.
فالكهرباء، على سبيل المثال، لم تكن مستقرة في السابق، وكأن البلاد تعيش حالة طوارئ دائمة، كما أن أسعار الوقود عرفت منحى تصاعديًا قبل أي توتر عالمي.
أما الضرائب، فقد ظلت في توسع مستمر، ما تسبب في موجة من الاحتجاجات والوقفات، خاصة من طرف بعض الفئات المهنية، من بينها العاملون في التطبيقات المصرفية.
كل ذلك يطرح إشكالية حقيقية حول جدوى تعليق الأزمات الحالية على شماعة الخارج فقط.
صحيح أن الحكومة تعتمد في خطابها على معطيات جيوسياسية، مثل تأثر الإمدادات النفطية العالمية وارتباط الأسواق المحلية بمصادر خارجية بعيدة جغرافيًا، وهو أمر وجيه من حيث المبدأ، غير أنه لا يُعفي من ضرورة بناء سياسات اقتصادية أكثر استقلالية ومرونة.
ويزداد هذا الطرح إلحاحًا في بلد يمتلك موارد معتبرة في مجالات الزراعة، والصيد، والمعادن، والطاقة، ما يجعله مؤهلًا نظريًا لتقليص تبعيته للخارج، لو أُحسن استغلال تلك الموارد.
سياسة التقشف، كما تُطبّق اليوم، تبدو في نظر كثيرين إجراءً أحادي الاتجاه، يُحمّل المواطن كلفة الاختلالات، دون أن يقترن بإصلاحات عميقة في مجالات الحوكمة وترشيد الإنفاق العمومي.
فالتقشف الحقيقي لا يقتصر على تقليص الخدمات أو رفع الضرائب، بل يشمل أيضًا مكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، وتحسين كفاءة إدارة الموارد.
إن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في مواجهة الأزمات الخارجية، بل في بناء نموذج اقتصادي قادر على الصمود أمامها.
وهو ما يتطلب إعادة ترتيب الأولويات، والانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الفعل، عبر سياسات إنتاجية تقلل من التبعية، وتفتح آفاقًا حقيقية للتنمية المستدامة.
في الأخير، يبقى السؤال الجوهري: هل التقشف خيار اضطراري تفرضه الظروف، أم أنه نتيجة تراكمات داخلية لم تُعالجها الحكومة في وقتها؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مدى مصداقية السياسات الحكومية، وقدرتها على استعادة ثقة المواطن.







