في لحظات التحول الكبرى، لا تكشف الحروب فقط عن موازين القوى، بل تعيد أيضًا طرح الأسئلة المؤجلة: من نحن؟ ومع من نقف؟ وما معنى الأمن في عالم تتغير قواعده بسرعة؟ في قلب هذا المشهد المضطرب، تبدو المنطقة العربية، والخليج تحديدًا، وكأنها تقف أمام مفترق طرق حقيقي، حيث تتقاطع الانقسامات المذهبية مع الحسابات الجيوسياسية، وتتصادم التحالفات التقليدية مع ضرورات واقع جديد لم تتضح معالمه بعد.
يطفو إلى السطح سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة كبرى: هل يمكن لحرب واسعة أن تُعيد ردم الهوة بين السنة والشيعة؟ التجربة لا تمنح إجابة حاسمة، لكنها تميل إلى التشاؤم الحذر. صحيح أن وجود “عدو مشترك” قد يخلق لحظة تقارب عابرة، تخفف من حدة الخطاب الطائفي وتعيد ترتيب الأولويات على أسس سياسية، غير أن هذه اللحظة غالبًا ما تكون مؤقتة، سرعان ما تتآكل مع عودة الحسابات الإقليمية والمحلية. فالانقسام السني–الشيعي لم يعد مجرد اختلاف عقائدي، بل تحول، في كثير من الأحيان، إلى أداة ضمن صراع النفوذ، تُستخدم حينًا وتُجمّد حينًا آخر. ومن دون مشروع سياسي جامع، يظل الحديث عن وحدة مذهبية أقرب إلى الرغبة منه إلى الواقع.
في المقابل، تجد دول الخليج نفسها في موقع شديد الحساسية داخل هذه المعادلة. فهي جغرافيًا في قلب دائرة التوتر مع إيران، واستراتيجيًا تمثل عصب الطاقة العالمية، وسياسيًا تسعى إلى تفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. هذا الموقع يجعلها طرفًا غير مباشر في صراع قد لا ترغب فيه، لكنه يُفرض عليها بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح. لذلك، فإن كلفة التصعيد لا تُقاس فقط بنتائجه العسكرية، بل أيضًا بارتداداته الاقتصادية والأمنية على الداخل الخليجي.
أما العلاقة مع الولايات المتحدة، فتبدو اليوم أمام اختبار دقيق. هذه العلاقة، التي قامت لعقود على معادلة “النفط مقابل الأمن”، لم تعد تحظى بنفس اليقين السابق. تتزايد التساؤلات حول مدى أخذ واشنطن لمخاوف حلفائها بعين الاعتبار، خاصة عندما تتقاطع أولوياتها مع دعمها الثابت لإسرائيل، حتى وإن أدى ذلك إلى رفع منسوب التوتر في بيئة إقليمية هشة. ومع ذلك، فإن الحديث عن قطيعة شاملة يظل مبالغًا فيه. فالعلاقة بين الطرفين ليست عاطفية، بل براغماتية تقوم على تبادل المصالح. ما يجري فعليًا هو إعادة تموضع هادئة: تنويع في الشراكات، وتوسيع لهامش القرار المستقل، دون الوصول إلى فك ارتباط كامل تظل كلفته عالية ومخاطره غير مضمونة.
في هذا السياق، يبرز سؤال لا يقل أهمية: هل تدفع هذه التحولات دول الخليج إلى مراجعة علاقتها مع إيران؟ منطق الجغرافيا يميل إلى الإجابة بنعم، فإيران ليست فقط خصمًا إقليميًا، بل أيضًا جار لا يمكن تجاهله. وقد أظهرت السنوات الأخيرة مؤشرات على محاولات خفض التصعيد وفتح قنوات للحوار. غير أن هذا المسار يبقى معقدًا، تحكمه ملفات متشابكة واختلافات عميقة في الرؤى. لذلك، فإن أي تقارب محتمل لن يكون قفزة مفاجئة، بل مسارًا تدريجيًا تحكمه البراغماتية أكثر من الثقة.
في أفق هذه التحولات، تبدو المنطقة مفتوحة على عدة سيناريوهات متوازية. أولها، تهدئة حذرة تستمر فيها قنوات التواصل، مع بقاء التنافس مضبوطًا دون انفجار شامل، وهو السيناريو الأقرب للواقع إذا غلبت كلفة الحرب على حسابات الجميع. ثانيها، تصعيد متقطع لا يصل إلى حرب شاملة، لكنه يُبقي المنطقة في حالة توتر دائم عبر أزمات محدودة وهجمات غير مباشرة. ثالثها، إعادة تشكيل التحالفات، حيث تسعى دول الخليج إلى تنويع شركائها وتقليل الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة، بما يعكس نزوعًا متزايدًا نحو الاستقلالية. أما السيناريو الأقل احتمالًا والأخطر في آن، فهو الانزلاق إلى مواجهة واسعة، وهو خيار يدرك الجميع كلفته الباهظة، لذلك يبقى مستبعدًا وإن لم يكن مستحيلًا.
في المحصلة، لا تتجه المنطقة نحو إعادة اصطفاف بسيطة، بل نحو مشهد أكثر تعقيدًا: تهدئة هنا، وتصعيد هناك؛ تقارب تكتيكي بين خصوم الأمس، واستمرار لتحالفات تقليدية ولكن بشروط جديدة. أما الانقسام المذهبي، فسيظل حاضرًا في الخلفية، لا كقدر محتوم، بل كأداة تُفعّل أو تُعطّل وفق منطق السياسة.
هكذا تكشف هذه اللحظة—بغض النظر عن مآلاتها—أن السؤال لم يعد: من مع من؟ بل: على أي أساس تُبنى التحالفات؟ وكيف يمكن لدول المنطقة أن تعيد تعريف أمنها بعيدًا عن الارتهان الكامل للخارج، دون أن تنزلق في الوقت ذاته إلى صراعات مفتوحة مع الجوار؟ بين هذين الحدين، تتشكل ملامح المرحلة القادمة.
بقلم احمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي







