من نقد الأفكار إلى اغتيال الأشخاص: حين يفقد النقاش معناه:
قراءة في انحدار الخطاب العام بين الاستقطاب والازدواجية وضجيج الفضاء الأزرق.
بقلم:احمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي
في تقديري، لم تعد أزمة نقاشنا العام في موريتانيا مرتبطة بندرة القضايا أو حتى بتعقيدها، بل بالطريقة التي نقترب بها منها. أصبحنا نُسارع إلى الإجابة قبل أن نُحسن الاستماع، ونندفع إلى المعارضة قبل أن نفهم، ونُصدر أحكامًا جاهزة دون أن نُحيط بما يكفي من المعرفة. ومع تكرار هذا النمط، لم يعد الأمر استثناءً، بل تحول إلى سلوك شبه مألوف يطبع جزءًا كبيرًا من الخطاب السياسي.
في بلد تتداخل فيه التحديات الاقتصادية مع الهواجس الأمنية، وفي محيط إقليمي مضطرب، كان من المفترض أن يكون النقاش أكثر رصانة وعمقًا. لكن الواقع يكشف العكس في كثير من الأحيان: قضايا كبيرة تُطرح بسرعة، وتُقابل بمواقف جاهزة، فيغيب النقاش الهادئ لصالح ردود الفعل السريعة، ويضيع التدرّج في الفهم وسط ضجيج المواقف.
ما يلفت الانتباه بشكل خاص هو غياب ثقافة الإصغاء. فكل طرف يبدو منشغلًا بالرد أكثر من انشغاله بالفهم، مما يدفع المشهد نحو اصطفاف حاد: موالاة تميل إلى التبرير، ومعارضة تميل إلى الرفض، وبينهما تضيق المساحة التي يمكن أن تُبنى فيها حلول واقعية. وهذا لا يعكس فقط خللًا في الممارسة السياسية، بل يكشف أيضًا عن أزمة ثقة عميقة بين الفاعلين.
ومن المظاهر التي تُثير القلق، تلك الازدواجية التي يقع فيها بعض من يُفترض أنهم يمثلون صوت الوعي. فالمثقف الذي يُشدّد في نقده حين يتعلق الأمر بخصومه، يلين خطابه بشكل ملحوظ إذا اقتربت القضية من دائرة القرابة أو الجهة أو المصلحة. فجأة، تصبح الأخطاء قابلة للتبرير، وتُخفَّف الأحكام، وكأن المبادئ لم تعد ثابتة. وهنا لا يتعلق الأمر بزلة عابرة، بل بمسألة تمس جوهر المصداقية.
وفي مقابل هذا الانحدار، يبرز دور المثقفين الملتزمين بوصفهم خط الدفاع الأول عن معنى النقاش وقيمته. فالمثقف الحقيقي لا يكتفي بالنقد، بل يضبط إيقاعه بالمسؤولية، ويجعل من الكلمة أداة بناء لا وسيلة هدم. عليه أن يُقاوم إغراء الاصطفاف، وأن يظل وفيًا للحقيقة ولو خالفت موقعه أو محيطه، وأن يُعيد توجيه النقاش نحو الأفكار بدل الأشخاص، ونحو الحجّة بدل الانفعال. فحين يلتزم المثقف بهذا الدور، لا يُسهم فقط في رفع مستوى الخطاب، بل يُعيد الثقة في إمكان وجود صوت عاقل يُوازن بين الحرية والانضباط، وبين الجرأة والإنصاف. لأن المعركة في جوهرها ليست فقط مع سوء الخطاب، بل مع تآكل المعنى، ولا أحد أقدر على استعادته من مثقفٍ لا يساوم على وعيه.
وفي سياق متصل، يتراجع النقاش خطوة أخرى إلى الوراء حين يتحول من نقد الأفكار إلى محاكمة الأشخاص. بدل تفكيك الطرح ومناقشة منطقه، يُختزل الجدل في صاحب الفكرة: من هو، وما خلفيته، وماذا يُراد منه. في هذه الحالة، لا تعود قيمة الفكرة فيما تحمله من حجة، بل في هوية قائلها، وهو ما يُفرغ النقاش من معناه، ويدفعه نحو منطق الخصومة بدل البحث عن الحقيقة.
ورغم هذا الاستقطاب، تظل هناك حقيقة غالبًا ما يتم تجاهلها: لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة. هناك دائمًا مساحة مشتركة، منطقة رمادية يمكن أن تلتقي فيها الرؤى المختلفة. الاعتراف بهذه المساحة ليس ضعفًا، بل نضج، لأنه يفتح الباب أمام حلول تقوم على التوفيق بدل الإقصاء، وعلى الجمع بدل القطيعة.
أما الفضاء الأزرق، فقد أصبح مرآة مكبّرة لهذا الانحدار. ما يُفترض أن يكون ساحة لتبادل الآراء، تحوّل في كثير من الأحيان إلى فضاء للتجريح والسخرية وتصفية الحسابات. تُستبدل الحجة بالكلمة الجارحة، ويُكافأ الصوت الأعلى بدل الصوت الأعمق، فيتراجع النقاش من أداة للتنوير إلى وسيلة لإعادة إنتاج الرداءة.
ولا يقتصر هذا الانحدار على قاعات البرلمان أو منصات السياسة، بل يتكرر المشهد نفسه في الفضاءات العامة، حتى بين من يُفترض أنهم نخب. فبدل أن يكونوا نموذجًا في الرصانة وعمق الطرح، ينزلق بعضهم إلى نفس دوائر التشنّج والتجريح، حيث يغلب الانتصار للرأي على البحث عن الحقيقة. تتشابه الأساليب: مقاطعة بدل إصغاء، تشكيك بدل نقاش، واصطفاف بدل تحليل. وهكذا، يفقد النقاش قيمته التنويرية، لأن من كان يُفترض أن يرتقي به، يكرّس نفس الاختلالات التي يُفترض أن ينتقدها. وعندما تتساوى النخبة مع العامة في هذا المستوى من الخطاب، لا يعود الخلل في المنصات، بل في الذهنية التي تدير النقاش نفسه.
وما يزيد الصورة تعقيدًا، أنّ هذه الممارسات لا تقتصر على الأفراد أو الفضاءات غير الرسمية، بل تمتد — مع التحفّظ حتى لا نعمّم — إلى بعض المنصات الإعلامية. فبدل أن تضطلع بدورها في ترقية النقاش وتقديم المعلومة المتوازنة، تنزلق أحيانًا إلى إعادة إنتاج نفس أساليب الإثارة والتجريح، حيث يُقدَّم الصراع على الفكرة، ويُفضَّل العنوان الصادم على التحليل الرصين. وهنا لا يكون الخلل في حرية التعبير، بل في طريقة توظيفها، لأن الإعلام حين يفقد توازنه، لا يكتفي بعكس الواقع، بل يساهم في تشكيله على نحوٍ يزيد من حدّة الاستقطاب ويُضعف ثقة المتلقي في الخطاب العام.
ومن أكثر الصور دلالة على هذا الانحدار، أن يصل الأمر أحيانًا إلى داخل المؤسسات نفسها، حين ينزلق بعض من يُفترض أنهم ممثلو الشعب إلى خطاب سوقي لا يليق بمقام المسؤولية. فالنائب الذي يُفترض فيه أن يُحاسب ويُناقش ويُقوّم، يتحول في لحظة انفعال إلى مُطلقٍ لألفاظ نابية من قبيل: "أنت…أسريريك .." ونعوت جارحة لا تضيف شيئًا إلى النقاش. هنا لا تُخدش صورة المسؤول المُنتقد فحسب، بل تُمسّ هيبة المؤسسة ذاتها، ويُختزل الدور الرقابي في مشهد من التجريح بدل الحُجّة. فالنقد البنّاء لا يحتاج إلى إساءة، والقوة في الطرح لا تُقاس بحدّة اللفظ، بل بصلابة الفكرة. وحين يغيب هذا الوعي، يتحول العمل النيابي من مساحة للمساءلة الرصينة إلى منبر للانفعال، تُربح فيه اللحظة ويُخسر فيه المعنى.
ومن مظاهر الخلل التي تُثير الاستغراب، أن تنقلب الأدوار داخل المؤسسة التشريعية نفسها، حين يتحول الخلاف من نقاشٍ حول أداء وزير إلى تجريح بين النواب. فبدل أن يُوجَّه الجهد إلى مساءلة المسؤول التنفيذي بالحُجّة، ينزلق بعض النواب إلى الإساءة لزملائهم دفاعًا عنه، وكأن النقاش لم يعد حول السياسات بل حول الولاءات. في مثل هذه اللحظات، يُختزل العمل البرلماني في مناوشات شخصية، ويضيع جوهر الرقابة في زحام الانفعال. فالدفاع عن وزير لا يكون بإسكات ناقده أو النيل منه، بل بتقديم حُجج تُقنع، وبأسلوب حضاري يليق بمقام التشريع. وعندما يغيب هذا التوازن، لا يخسر نائبٌ بعينه، بل تخسر المؤسسة جزءًا من هيبتها، ويخسر النقاش معناه مرة أخرى.
وعلى مستوى المعارضة، يبرز خلل آخر يتمثل في تغليب ردود الفعل على الرؤية. الرفض حاضر بقوة، لكن البدائل المدروسة أقل حضورًا، مما يُضعف دورها الطبيعي كقوة اقتراح ومساءلة، ويجعلها في بعض الأحيان أسيرة الموقف بدل أن تكون صانعة له.
وفي خضمّ هذا المشهد، يظلّ العبء الأكبر في كبح هذا الانحدار واقعًا على عاتق النظام والمسؤولين العموميين. فالدولة، بما تمتلكه من سلطة رمزية ومؤسساتية، ليست طرفًا عاديًا في النقاش، بل هي الجهة القادرة على ضبط إيقاعه وترسيخ معاييره. ومن هنا، فإن أول خطوة في مواجهة هذا الاختلال تكمن في رفض الاصطفاف الضيق، وعدم الانجرار إلى منطق “معنا أو ضدنا”، الذي يُغذّي الاستقطاب ويُقصي كل صوت مستقل. فحين يقدّم المسؤولون نموذجًا في التوازن، ويُشجّعون النقد المسؤول بدل محاربته، ويُفرّقون بين الاختلاف المشروع والتجريح المرفوض، فإنهم لا يُديرون فقط الشأن العام، بل يُساهمون في تهذيب الخطاب العام نفسه. لأن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من القاعدة وحدها، بل من القمّة أيضًا، حيث تُصنع الإشارات وتُرسم الحدود.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض القرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، دون نقاش كافٍ أو إشراك واسع للخبرات. صحيح أن الحفاظ على الاستقرار يظل أولوية في سياق إقليمي هش، لكن الاستقرار لا يُبنى فقط على سرعة القرار، بل على جودته وقدرته على الإقناع وكسب الثقة.
في النهاية، تبدو المشكلة أعمق من مجرد اختلاف في الآراء. إنها أزمة في طريقة التفكير، وفي أسلوب إدارة الخلاف. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للإصغاء، ومنح الفهم وقته، والتخلّي عن الأحكام المتسرعة. لأن النقاش، حين يفقد معناه، لا يترك خلفه فراغًا فقط، بل يترك واقعًا تُصاغ فيه القرارات بعيدًا عن العقل، وتُدفع كلفته من مستقبل الجميع.







