#مقالات : رئيسٌ يُصغي… ودولةٌ تُحاسِب

بواسطة محمد عبدالله بيباه

#مقالات : رئيسٌ يُصغي… ودولةٌ تُحاسِب 
بقلم : لبروفيسور محمدو لمرابط اجيد

من الرؤساء من يحكم من وراء المكاتب ويكتفي بما تحمله إليه التقارير المنمّقة، ومنهم من يختار الطريق الأصعب فيواجه الناس وجهًا لوجه، ويسمع الشكوى من أصحابها، ويتحمل وقع الكلمة الصريحة حين تُقال في حضرته.

وعلى امتداد سبع سنوات من الحكم، رسّخ الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أسلوبًا في إدارة الدولة يقوم على التهدئة والانفتاح على مختلف الفرقاء، وعلى الإصغاء قبل القرار، والمحاسبة بدل التبرير، وهو أسلوب لم تألفه البلاد كثيرًا في تاريخها السياسي.

وإذا كانت هذه السنوات قد حملت شواهد كثيرة على هذا النهج، فإن الأشهر الأخيرة وحدها تقدم مثالًا حيًّا يغني عن كثير من الشرح، من المؤتمر الصحفي في القصر الرئاسي، إلى أزمة محطات الكهرباء، وصولًا إلى جولة آدرار التي تُختتم هذه الأيام.

فحين وقف الرئيس في القصر الرئاسي أمام الصحفيين في بث مباشر، يجيب عن أسئلتهم دون تحفظ، كان يبعث برسالة واضحة مفادها أن السلطة في موريتانيا لم تعد تخشى السؤال، وحين أكد أنه لا محاباة في تطبيق القانون، ودعا إلى التحقيق في أي شبهة فساد مهما كان مصدرها، فقد وضع نفسه ونظامه تحت أنظار الرأي العام، وهي خطوة لا يُقدم عليها إلا من يثق في أن سجله يحتمل التمحيص.

ثم جاءت أزمة الكهرباء لتختبر هذا الخطاب على أرض الواقع. فاحتراق محطتي التحويل في نواكشوط، وما تبعه من انقطاع أغرق أحياء واسعة من العاصمة في الظلام، كان من الأزمات التي تكشف حقيقة الأنظمة. وكان بوسع الرئيس أن يترك الأمر للوزارة والشركة، وأن يكتفي ببيان مقتضب يعد فيه بعودة الخدمة، لكنه نزل بنفسه إلى المحطتين المحترقتين، وتفقّد الأضرار، واستمع إلى الفنيين، وتابع إعادة التيار ساعة بساعة؛ وحين استقرت الأمور نسبيًّا، لم يطوِ الملف كما تُطوى الملفات عادة، وإنما أمر بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة تضم المفتش العام للدولة ورئيس لجنة رقابة الصفقات العمومية وخبراء دوليين، وكلّفها بكشف الأسباب المباشرة وغير المباشرة، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره.

وبهذا القرار تحولت الأزمة من مادة للتشكيك والشائعات إلى امتحان علني لثقافة المحاسبة، وإلى رسالة لكل مسؤول بأن الخطأ في المرفق العام لم يعد يُدفن بالصمت.
وفي آدرار ظهر الوجه الآخر لهذا النهج. فمن أطار إلى وادان، ومن وادان إلى شنقيط، ومن شنقيط إلى أوجفت؛ جلس الرئيس إلى الأطر والوجهاء والمواطنين، وأصغى إلى همومهم كما يعيشونها يومًا بيوم، وجاءت ردوده التزامات محددة بآجال معلومة: طريق وادان في مشروع ميزانية سنة 2027، ودراسة متخصصة للتنقيب عن المياه تكتمل خلال نحو ثلاثة أشهر، وإمكانية الحفر إلى أعماق بعيدة إن جاءت النتائج مشجعة، والسياسي الذي يربط وعده بتاريخ إنما يضع مصداقيته أمام الناس، وفي ذلك دليل على جدية لا يملكها من يتقن فن المراوغة.

ويبقى اللافت أن الرئيس خاطب آدرار بلغة رجل الدولة الذي يفكر في المستقبل، بعيدًا عن منطق المانح الذي يوزع العطايا، فدعوته رجال الأعمال إلى الاستثمار في المدن الداخلية، وربطه بين حماية التراث والتنمية المستدامة، يكشفان فهمًا عميقًا لجوهر المعضلة، إذ لا تُنقَذ المدن التاريخية بالحنين والمهرجانات، وإنما بفرص عمل تُبقي شبابها فيها، واقتصاد يمنح الحياة فيها سببًا للاستمرار.

وحين يتحدث عن تحسين الموارد الذاتية للدولة وقدرتها على تمويل مشاريعها، وعن برنامج متكامل لإعادة تأهيل شبكة الطرق وفك العزلة عن مناطق الإنتاج، فإنه يقدم رؤية بعيدة المدى تتجاوز الاستجابة الظرفية.

أما الهدوء الذي يراه البعض مأخذا، فله في ميزان الواقع قراءة أخرى. ففي محيط إقليمي تعصف به الانقلابات والصراعات والاستقطابات الحادة، حافظت موريتانيا على استقرارها، وظل خطابها السياسي بعيدًا عن التشنج والإقصاء. وهذا الهدوء قوة تحمي البلاد في منطقة لا تحتمل المغامرة، وشرط لازم لكل تنمية حقيقية، فالدولة المنشغلة بإطفاء حرائق السياسة لا تجد وقتًا لبناء الطرق وحفر الآبار.

لا دولة بلا أخطاء أو أعطاب، غير أن ما يميز تجربة الرئيس غزواني هو طريقته في التعامل معها: أن يعترف بها بدل إنكارها، وأن يحقق فيها بدل التستر عليها، وأن ينزل إلى الميدان بدل الاحتماء بالتقارير.
ومن هنا يصبح دعم هذا النهج واجبًا وطنيًّا، دعمًا واعيًا يقترن بالمتابعة والرقابة، حتى تتحول الوعود إلى طرق معبّدة ومياه جارية وكهرباء مستقرة، وحتى يشعر المواطن في وادان وشنقيط كما في نواكشوط أن الدولة أصبحت قريبة منه.