ليست بوتلميت مجرد مقاطعة على الخريطة الإدارية لموريتانيا، ولا مدينة عابرة في تاريخ البلاد. إنها إحدى الحواضر التي ارتبط اسمها مبكرًا بالعلم والسياسة والإدارة، وأسهمت في تكوين أجيال من النخب الوطنية. ومن هذه المدينة خرج رجال كان لهم حضور بارز في مسيرة الدولة الموريتانية منذ نشأتها.
لكن المدن، مثل الأفراد، لا تعيش دائمًا على أمجاد تاريخها.
ومع دخول موريتانيا مرحلة التعددية السياسية والانفتاح الديمقراطي، عرفت بوتلميت بدورها تنافسًا سياسيًا حادًا بين تيارات وأحلاف متعددة. غير أن هذا التنافس لم يكن دائمًا تنافسًا بين برامج ورؤى سياسية بالمعنى الحقيقي؛ فقد ظلت الاعتبارات الاجتماعية والقبلية والعائلية حاضرة بقوة في تشكيل التحالفات وتحديد مواقع النفوذ.
وبمرور الوقت، أصبحت السياسة المحلية في نظر قطاعات واسعة من السكان أقرب إلى دائرة مغلقة تتناوب عليها نخب محددة، تتقاطع مصالحها وتختلف اصطفافاتها، لكنها تظل في النهاية أكثر قدرة على الوصول إلى مفاتيح اللعبة السياسية من غيرها.
والأكثر إيلامًا أن انعكاسات هذا الوضع لم تبقَ داخل المجال السياسي.
فقد امتدت الخصومات السياسية إلى النسيج الاجتماعي، وأحيانًا إلى العلاقات الأسرية، وأنتجت حساسيات وانقسامات كان يمكن تجنب الكثير منها لو كانت السياسة مجالًا للتنافس على خدمة المجتمع، لا ساحة للصراع على النفوذ.
وفي ظل هذا المشهد، ظلت فئات اجتماعية واسعة تشعر بأنها خارج دائرة الفعل السياسي الحقيقي، وفي مقدمتها شريحة لحراطين ولمعلمين، رغم ما تزخر به هذه الفئات من أطر ومثقفين وأصحاب كفاءات، فضلًا عن كونها جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي للمقاطعة.
لم يكن غياب هذه الفئات عن المشهد بسبب غياب القدرة أو الرغبة بالضرورة، وإنما لأن قواعد اللعبة السياسية المحلية نفسها لم تكن مهيأة بصورة كافية لاستيعاب الجميع.
وهنا بدأ شيء جديد يحدث.: نافذة لم تكن موجودة من قبل
خلال الفترة الثانية من حكم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ظهر في بوتلميت تيار جديد، برز من بين أبناء الفئات التي ظلت لفترات طويلة بعيدة عن مركز الفعل السياسي.
لكن أهمية هذا التيار لا تكمن فقط في تركيبته الاجتماعية. فالأهم هو أنه قدم أسلوبًا مختلفًا في ممارسة السياسة:
لم يدخل الساحة بشعار إقصاء الآخرين. ولم يقل إن الحل هو استبدال هيمنة بهيمنة أخرى.ولم يجعل المواجهة الاجتماعية عنوانًا لمشروعه.
بل اختار أن يدخل من الباب الذي طالما ظل مغلقًا أمام الكثيرين: باب المشاركة السياسية الفعلية.
وهنا حدث أمر بالغ الأهمية.
وجدت مجموعات من الشباب، كانت بعيدة عن السياسة أو قاطعتها لسنوات، في هذا التيار نافذة جديدة يمكن من خلالها ممارسة العمل السياسي دون الدخول في صدام اجتماعي مع الآخرين.وهذه ربما هي أهم نقطة في تجربة هذا التيار.
فهو لم ينجح فقط في استقطاب أبناء الفئات المهمشة، وإنما نجح في إقناع عدد من الشباب، من خلفيات مختلفة، بأن السياسة ليست حكرًا على أسماء بعينها، ولا ملكية خاصة لعائلات أو مجموعات اجتماعية محددة.
كان من السهل أن يظهر تيار جديد في مناسبة واحدة ثم يختفي. وكان من الممكن أن تكون مشاركته في الحملة الرئاسية السابقة مجرد حضور انتخابي عابر.
فالحملة الرئاسية السابقة مثلت بالنسبة لهذا التيار اختبارًا حقيقيًا لقدراته على التنظيم والحشد والتواصل السياسي وإثبات وجوده في الميدان.
ثم جاءت زيارة بعثة الحزب الأخيرة إلى بوتلميت لتقدم مؤشرًا جديدًا على تطور المشهد.
فلم يعد الحديث اليوم عن مجموعة تحاول لفت الانتباه أو تبحث عن مكان في الصفوف الخلفية.
لقد أصبح لهذا التيار حضور سياسي واجتماعي يجعل من الصعب تجاهله عند قراءة المشهد البوتلمتي.
وهنا انتقل السؤال من:هل يستطيع هؤلاء دخول الساحة؟
إلى سؤال أكثر أهمية:كيف سيصبح موقعهم داخل الساحة بعد أن أصبحوا أحد لاعبيها الأساسيين؟
وهذا هو التحول الحقيقي.
"عندما يكتشف المهمش أنه ليس مضطرًا إلى طلب الإذن"
أحد أهم آثار هذه التجربة أنها كسرت، ولو جزئيًا، فكرة نفسية عميقة ترسخت لدى كثير من الفئات التي ظلت خارج دائرة النفوذ.
فقد كان الاعتقاد السائد لدى البعض أن السياسة لها أصحابها، وأن هناك أسماء وعائلات ودوائر اجتماعية تملك مفاتيحها، وأن الآخرين لا يمكنهم دخولها إلا من خلال هؤلاء.
أما اليوم، فقد بدأت تظهر قناعة مختلفة: لا أحد يحتاج إلى إذن حتى يمارس حقه السياسي.
وليس المطلوب أن يطرد أحدًا من الساحة. وليس المطلوب أن يأخذ شخص مكان شخص. فالمطلوب فقط أن تصبح الساحة مفتوحة. أن يصبح التنافس مشروعًا. وأن يصبح الحضور السياسي حقًا مشتركًا.
وأن يدرك الجميع أن وزن الإنسان السياسي لا ينبغي أن يحدده أصله الاجتماعي، وإنما قدرته على الحضور والتأثير وخدمة الناس.
من الطبيعي أن يكون صعود قوة سياسية جديدة أمرًا مريحًا دائمًا للقوى التي اعتادت أن تكون صاحبة اليد العليا.فكل ساحة سياسية تعرف مقاومة من المستفيدين من قواعدها القديمة.
وعندما يشعر طرف بأنه لم يعد وحده في الميدان، يبدأ أحيانًا في النظر إلى المنافس الجديد باعتباره تهديدًا، بدل النظر إليه باعتباره إضافة إلى المشهد.
لكن السياسة الناضجة تقتضي شيئًا آخر.
فالساحة ليست ملكًا لأحد.لا للأسر الكبيرة.ولا للنخب القديمة.ولا للقبائل. ولا للتيارات التي سبقت غيرها إلى العمل السياسي.وكذلك لن تكون ملكًا للتيار الجديد.
فإذا كان من حق الجدد اقتحام الساحة، فمن واجبهم أيضًا أن يحافظوا على انفتاحها بعد دخولهم.
النجاح الحقيقي ألا يتحول الضحية إلى نسخة من جلاده
فنجاح هذا التيار سيكون تاريخيًا إذا استطاع أن يكسر احتكار السياسة دون أن يؤسس احتكارًا جديدًا.
فالهدف ليس أن تنتقل «الكعكة» السياسية من مجموعة اجتماعية إلى مجموعة أخرى.
وليس المطلوب أن يصبح أبناء لحراطين أو لمعلمين أصحاب الحق الحصري في تمثيل بوتلميت
بل المطلوب أن تنتهي أصلًا فكرة «الكعكة السياسية» التي يتقاسمها الأقوياء، ويُترك الآخرون لمجرد التصفيق والانتخاب.
إذا نجح التيار الجديد في فتح الباب أمام الشباب، وأبناء الفئات المهمشة، وكل من يريد ممارسة السياسة بعيدًا عن الحسابات الضيقة، فإنه سيكون قد قدم خدمة تتجاوز حدوده التنظيمية والاجتماعية.
أما إذا انتهى به الأمر إلى إعادة إنتاج الأساليب نفسها التي انتقدها الآخرون، فسوف يكون قد غيّر الوجوه فقط، ولم يغير قواعد اللعبة.
ما يحدث في بوتلميت اليوم يستحق أن يُقرأ بعيدًا عن الحساسية الشخصية وعن صراع الأسماء.
فالمسألة أعمق من ضيافة بعثة حزبية، وأكبر من صورة نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.
الصورة الحقيقية هي أن المشهد السياسي البوتلمتي لم يعد كما كان. فهناك جيل جديد يريد أن يشارك.
وهناك فئات كانت بعيدة عن السياسة وجدت نافذة للدخول.
وهناك تيار استطاع خلال فترة قصيرة نسبيًا أن ينتقل من مجرد محاولة للحضور إلى لاعب أساسي ينبغي أن تؤخذ قوته وحضوره في الاعتبار.
وهذا بحد ذاته تحول يستحق التوقف عنده. فالتغيير السياسي لا يبدأ دائمًا من صناديق الاقتراع.
أحيانًا يبدأ عندما يقرر شخص كان يجلس خارج الباب أن يطرقه. ثم يقرر آخر أن يدخل.
ثم يكتشف الجميع أن الباب لم يكن ملكًا لأحد أصلًا.
وبوتلميت اليوم أمام هذا الاختبار.
إما أن تستمر السياسة فيها باعتبارها مجالًا تتوارثه النخب والدوائر الاجتماعية، أو أن تتحول إلى فضاء مفتوح يستطيع فيه الجميع أن ينافسوا ويشاركوا ويختلفوا ويتحالفوا، دون أن تتحول المنافسة السياسية إلى خصومة اجتماعية.
وإذا كان التيار الجديد قد نجح في شيء حتى الآن، فهو أنه أثبت أن الساحة التي اعتقد البعض طويلًا أنها ملك لهم، يمكن أن تتسع لغيرهم.
والأجمل أن هذا الاتساع لم يحدث عبر الصدام، وإنما عبر المشاركة. وهنا بالضبط تكمن قيمة التجربة.
فبوتلميت لا تحتاج إلى نخب جديدة تحمل عقلية النخب القديمة، ولا إلى قبيلة تنتصر على قبيلة، ولا إلى إقصاء يُستبدل بإقصاء.
إنها تحتاج إلى سياسة يتساوى فيها أبناء المقاطعة أمام فرصة المشاركة، ويكون فيها معيار التقدم هو الكفاءة والحضور والثقة الشعبية، لا الاسم العائلي ولا الموقع الاجتماعي.
وعندما تصبح هذه القاعدة أمرًا طبيعيًا، لن يكون التيار الجديد قد نجح في اقتحام الساحة السياسية فحسب.بل سيكون قد ساهم في تغيير معنى الساحة نفسها.
عبد الله لبات







