طفي السياسة، لا يكفي أن يكون الخطاب صاخباً أو محمّلاً بالشعارات الأخلاقية حتى يصبح مشروعاً سياسياً قابلاً للحياة. فبين الخطاب الاحتجاجي وبناء الدولة مسافة شاسعة لا تُختصر بالمظلومية ولا تُملأ بالبلاغة. ومن هذا المنطلق، يطرح خطاب النائب البرلماني بيرام ولد الداه ولد اعبيد في المنتدى العالمي ببرلين، تحت شعار «إعادة ابتكار الديمقراطية»، إشكاليات عميقة تتجاوز حدود النقد المشروع لتدخل في دائرة التوصيف الشعبوي للواقع السياسي والاجتماعي في موريتانيا.
فالخطاب، في جوهره، لا يقدم مشروعاً لإصلاح الديمقراطية بقدر ما يعيد إنتاج سردية صدامية تقوم على التعميم والتضخيم واستدعاء الرمزية التاريخية دون سند تحليلي متماسك.
يفتتح المتحدث خطابه باستحضار النازية والستالينية وحريق الرايخستاغ وأسماء مفكرين كبار، في محاولة لإسقاط التجارب الشمولية الأوروبية على السياق الموريتاني. غير أن هذا التوظيف للتاريخ يكشف نزعة خطابية واضحة نحو المبالغة والمقارنة غير المتكافئة، إذ لا يمكن وضع مسار دولة نامية متعددة التحديات في خانة التجارب الشمولية التي عرفتها أوروبا في القرن العشرين دون الوقوع في اختزال مخلّ للواقع.
فاستدعاء التاريخ هنا لا يؤدي وظيفة تفسيرية، بل يتحول إلى أداة تعبئة عاطفية تهدف إلى شيطنة الدولة أكثر من تحليل بنيتها أو فهم تعقيداتها.
ويذهب الخطاب إلى تصوير موريتانيا باعتبارها فضاءً شاملاً للعبودية والقمع والفساد الممنهج، في توصيف مطلق يتجاهل التطورات المؤسسية التي عرفتها البلاد، ومسارات الإصلاح الاجتماعي والتشريعي، والجهود الرسمية والمجتمعية لمواجهة الاختلالات. وهذا التوصيف الشامل لا يعكس قراءة موضوعية للواقع بقدر ما يعبر عن رؤية سياسية تقوم على نفي الدولة بالكامل بوصفها بنية قمعية مطلقة.
غير أن الخطاب الذي ينكر كل تحسن ويختزل المجتمع في صورة واحدة لا يساهم في الإصلاح، بل يعمّق الانقسام ويغذي منطق الصراع الدائم.
وتبرز المفارقة الأكثر وضوحاً في الجمع بين خطاب الضحية المطلقة، القائم على سردية الاضطهاد والسجن والتعذيب، وبين إعلان الطموح للوصول إلى السلطة عبر الآليات الديمقراطية. فبناء مشروع حكم لا يمكن أن يقوم على منطق المواجهة الدائمة أو على ثنائية الضحية والخصم، لأن الدولة لا تُدار بمنطق الاحتجاج، بل بمنطق البرامج والسياسات والتوافقات الوطنية. فالشرعية السياسية لا تُبنى على المظلومية وحدها، بل على القدرة على إدارة الدولة وتقديم حلول واقعية لمشكلات المجتمع.
وفي هذا السياق، يبرز ما يمكن وصفه بحالة من الإفلاس السياسي المتدرّج الذي بات يطبع خطاب بيرام ولد الداه ولد اعبيد، حيث يظهر عجز واضح عن الانتقال من خطاب الاحتجاج الحقوقي إلى مشروع سياسي وطني متكامل. فالقضية الحقوقية، بطبيعتها، تكتسب مشروعيتها من استقلالها عن التوظيف السياسي الضيق، غير أن توظيفها المستمر ضمن خطاب صدامي وتعبوي أفقدها الكثير من بعدها الإنساني الجامع، وحوّلها إلى أداة للصراع السياسي أكثر من كونها مدخلاً لإصلاح اجتماعي شامل.
كما أن تتبع مسار خطابه عبر السنوات يكشف سلسلة من التناقضات في المواقف والتصورات: بين رفض المؤسسات والسعي إلى المشاركة فيها، وبين خطاب القطيعة مع الدولة ومحاولة الوصول إلى السلطة عبرها، وبين طرح القضية الحقوقية كمسألة إنسانية كونية واستخدامها في سياق سياسي ظرفي. وهذه التناقضات لا تعكس تطوراً فكرياً طبيعياً بقدر ما تشير إلى أزمة في بناء رؤية سياسية مستقرة، حيث يحلّ الخطاب الظرفي محل المشروع الاستراتيجي، وتغيب الرؤية المؤسسية لصالح المزايدة الخطابية.
كما أن من أبرز نتائج هذا المسار الخطابي تراجع الإجماع الوطني الذي كانت تحظى به قضية مظلمة لحراطين، بعد أن جرى اختزالها في خطاب سياسي ضيق وفئوي. فقد شكّلت هذه القضية، لسنوات طويلة، مطلباً وطنياً جامعاً تجاوز الانتماءات الاجتماعية، حيث تبناها فاعلون من مختلف مكونات المجتمع الموريتاني، بمن فيهم العديد من النخب والفاعلين من البيظان قبل لحراطين أنفسهم، باعتبارها قضية عدالة اجتماعية وإنصاف تاريخي تخص المجتمع بأسره.
غير أن حصرها في خطاب صدامي قائم على الاستقطاب والهويات المغلقة أضعف بعدها الوطني الجامع، وحوّلها من قضية إصلاح مجتمعي شامل إلى ورقة صراع سياسي، مما أدى إلى انحسار التعاطف الواسع معها وتراجع زخمها الإصلاحي. وهكذا، فإن تسييس القضية واختزالها في خطاب المواجهة لم يخدم أهدافها بقدر ما أضر بإمكان بناء توافق وطني حولها، وأفقدها طابعها الإنساني الذي كان يمثل مصدر قوتها الأساسية.
وفي سياق متصل، يطرح تصاعد الخطاب الهوياتي في المجال السياسي مخاطر حقيقية على تماسك الدولة واستقرارها، إذ يقوم هذا الخطاب على إعادة تعريف المجال السياسي وفق انتماءات اجتماعية مغلقة، بدلاً من تأسيسه على هوية وطنية جامعة. فحين تتحول القضايا الاجتماعية إلى أدوات فرز هوياتي بين مكونات المجتمع، تتراجع فكرة المواطنة الجامعة لصالح منطق الانقسام والتصنيف، بما يهدد وحدة المجتمع ويضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
كما أن التجارب المقارنة تظهر أن تسييس الهويات وإعادة إنتاج الصراعات الاجتماعية في المجال السياسي لا يؤدي إلى تحقيق العدالة أو الإصلاح، بل يفتح المجال أمام توترات بنيوية يصعب التحكم في مآلاتها. ومن هذا المنظور، فإن حماية الدولة الحديثة تقتضي الحفاظ على الطابع الوطني الجامع للقضايا الاجتماعية وتحصينها من التوظيف الهوياتي الذي يحولها من مطالب إصلاحية إلى مشاريع صراع مفتوح.
وفي مقابل هذه النزعات، يبرز خطاب الدولة الداعي إلى ترسيخ الانتماء الوطني بوصفه إطاراً جامعاً يتجاوز الانقسامات الاجتماعية. وفي هذا السياق، جاء تأكيد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في كيهيدي على أن الانتماء لموريتانيا يعلو على كل الاعتبارات الفئوية والجهوية، وأن وحدة الشعب الموريتاني تقوم على رابطة المواطنة الجامعة لا على الانتماءات الضيقة. وقد شدد هذا الخطاب على أن بناء الدولة الحديثة يقتضي تعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ ثقافة المواطنة المتساوية وضمان الحقوق ضمن إطار وطني موحد، بما يعكس رؤية سياسية تقوم على حماية الوحدة الوطنية باعتبارها شرطاً أساسياً للاستقرار والتنمية.
كما يهاجم الخطاب التعددية الحزبية في إفريقيا باعتبارها مجرد واجهة لشبكات المصالح والفساد، في تعميم واسع يتجاهل تنوع التجارب السياسية في القارة ويقع في تناقض واضح، إذ يهاجم التعددية من جهة ويطالب بالتداول الديمقراطي من جهة أخرى. وهذا التناقض يعكس غياب رؤية مؤسسية واضحة للإصلاح، ويكشف أن النقد لا يستند إلى تصور بديل بقدر ما يستند إلى رفض شامل للنظام القائم.
أما مفهوم «إعادة ابتكار الديمقراطية» الذي يرفعه الخطاب كشعار مركزي، فيبقى مفهوماً فضفاضاً يخلو من مضمون عملي. فالمطالب المطروحة، مثل التعليم والمساواة والتسجيل البيومتري، ليست ابتكاراً ديمقراطياً، بل إجراءات إصلاحية تقليدية معمول بها في معظم الأنظمة السياسية. وهكذا يتحول الشعار إلى غطاء رمزي لغياب مشروع سياسي محدد المعالم.
ويزيد الخطاب من طابعه الشعبوي حين يربط قضيته المحلية بسلسلة من النزاعات الدولية والقضايا العالمية، من فلسطين إلى أوكرانيا ومنطقة الساحل، في توسع خطابي يمنح المتحدث موقعاً أخلاقياً رمزياً، لكنه يبتعد عن معالجة التحديات الوطنية الفعلية التي تتطلب حلولاً واقعية مرتبطة بالسياق المحلي.
إن ما يكشفه هذا الخطاب في مجمله هو أزمة الانتقال من خطاب الاحتجاج إلى خطاب الدولة. فبينما يقدم نفسه بوصفه مشروعاً لإعادة بناء الديمقراطية، فإنه يظل أسير لغة الصراع والتعميم وشيطنة المؤسسات دون تقديم تصور عملي لإدارة الدولة أو بناء توافق وطني جامع.
فالديمقراطية لا تُبنى على الخطاب التصادمي، ولا على تصوير المجتمع في ثنائية ظالم ومظلوم، ولا على نفي المؤسسات القائمة، بل على الإصلاح التدريجي وبناء الثقة العامة وتقديم سياسات قابلة للتطبيق.
إن النقد السياسي حق مشروع، والدعوة إلى العدالة الاجتماعية ضرورة وطنية، لكن تحويل النقد إلى خطاب شعبوي يقوم على المبالغة والتعميم لا يخدم الديمقراطية بقدر ما يهدد أسسها. فالدول لا تُدار بالشعارات، والمجتمعات لا تُبنى بالخطاب التصادمي، والتغيير الحقيقي يبدأ من رؤية واقعية للدولة الممكنة لا من سرديات الصراع المطلق.
وفي هذا السياق، تبدو موريتانيا اليوم في حاجة إلى خطاب سياسي مسؤول يعزز الاستقرار والإصلاح التدريجي، لا إلى خطابات تصادمية تعيد إنتاج منطق المواجهة وتغذي الانقسام، لأن مستقبل الديمقراطية لا يُصنع بالمظلومية السياسية، بل ببناء مشروع وطني جامع يوازن بين الحرية والاستقرار ومسؤولية الحكم.
بقلم: أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي







