كتب مستشار الوزير الأول، محمد آب ولد الجيلاني، أن الدولة تحتاج إلى رجال قادرين على الفصل بين الصداقة والوظيفة، وبين الولاء الشخصي والولاء المؤسسي، وبين النصيحة والتملق، وبين الطاعة المشروعة والتبعية الشخصية.
وتابع أن الدولة لا تحتاج فقط إلى موظفين أكفاء، وإنما تحتاج إلى موظفين يستطيعون أن يقولوا الحقيقة دون خوف، وأن ينصحوا دون تملق، وأن يختلفوا دون خصومة، وأن يطيعوا القانون دون أن يتحولوا إلى أسرى للأشخاص.
قد تبدو هذه الكلمات، للوهلة الأولى، مجرد توصيف لما ينبغي أن يكون عليه رجل الدولة. لكنها، عند التأمل، تفتح باباً أوسع بكثير: هل يمكن أن نطلب من الموظف أن يفصل بين الولاء للشخص والولاء للمؤسسة، في بيئة لم تكتمل فيها بعد شروط دولة القانون؟
إن المشكلة هنا ليست في أخلاق الموظف وحده، ولا في شجاعته الشخصية، وإنما في البيئة المؤسسية التي يعمل داخلها.
فالموظف الذي يريد أن يقول الحقيقة يحتاج إلى مؤسسة تحميه عندما يقولها. والذي يريد أن ينصح يحتاج إلى مسؤول يتقبل النصيحة حتى عندما تخالف هواه. والذي يريد أن يطيع القانون يحتاج إلى أن يكون القانون فوق الجميع، لا أن يصبح تطبيقه انتقائياً بحسب الأشخاص والمواقع والنفوذ.
ولهذا فإن الحديث عن موظف يفصل بين الولاء الشخصي والولاء المؤسسي لا يستقيم تماماً ما لم يسبقه بناء مؤسسة تجعل هذا الفصل ممكناً وآمناً.
دولة القانون لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالقواعد التي تجعل احترام القانون مصلحة للجميع، ومخالفته مكلفة للجميع.
ومن هنا نصل إلى الحلقة الأكثر حساسية في هذا الموضوع: مكافحة الفساد.
لقد تحولت مكافحة الفساد، في كثير من الأحيان، إلى شعار حاضر بقوة في الخطاب العام، بينما يظل تجسيده العملي دون مستوى الشعار. وليس المقصود من ذلك إنكار وجود تقارير أو تفتيش أو رقابة أو ملفات تُعد وتُرفع وتنشر، وإنما السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث بعد التقرير؟
حين تكون هناك هيئات دستورية ورقابية، مثل المفتشية العامة للدولة ومحكمة الحسابات، وتصدر تقارير تتضمن ملاحظات واختلالات، فإن قيمة تلك التقارير لا تقاس بعدد صفحاتها ولا بعدد ما تنشره من أرقام، وإنما بما تترتب عليها من إجراءات فعلية.
فالرقابة التي لا تنتج عنها مساءلة حقيقية، ولا استرداد للمال العام، ولا منع لتكرار المخالفات، ولا إبعاد لمن ثبتت مسؤوليته، قد تتحول، من حيث لا تريد، إلى مجرد جزء من المشهد الإداري؛ تقارير تُعد، وتُعرض، وتُستعمل لإقناع الممولين والشركاء بأن آليات الرقابة موجودة، بينما تظل قدرتها على الردع محدودة.
والأخطر من ذلك أن استمرار تدوير الأشخاص أنفسهم داخل الجهاز الإداري، رغم وجود سوابق وملاحظات موثقة، يبعث برسالة معاكسة تماماً لرسالة مكافحة الفساد.
فكيف يمكن أن نقنع موظفاً بأن الولاء للمؤسسة أهم من الولاء للأشخاص، إذا كان يرى أن الشخص الذي أُبعد من وظيفة بسبب إخفاقات أو شبهات جدية يمكن أن يعود إليها لاحقاً؟
وكيف نطالبه بأن يقول الحقيقة دون خوف، إذا كان يرى أن مستقبل الموظف قد يكون مرتبطاً بعلاقاته أكثر من ارتباطه بكفاءته ونزاهته؟
وكيف نطالبه بمقاومة التملق والتبعية الشخصية، إذا كانت منظومة الترقي والتعيين لا تزال تسمح أحياناً بأن تكون العلاقات الشخصية أقصر الطرق إلى المواقع؟
إن مكافحة الفساد تبدأ، قبل العقوبة، بإغلاق الأبواب التي تسمح للفساد بأن يصبح ممكناً ومربحاً وقابلاً للتكرار.
وأول خطوة جادة في هذا الاتجاه ليست بالضرورة إنشاء هيئة جديدة، ولا إصدار شعار جديد، وإنما مراجعة منظومة الموارد البشرية نفسها.
إبعاد من ثبتت عليهم سوابق فساد أو اختلالات جسيمة، وإفساح المجال أمام كفاءات جديدة مشهود لها بالنزاهة، ووضع معايير واضحة وشفافة للتعيين والترقية والتكليف، ومنع تضارب المصالح، وربط المسؤولية بالمحاسبة؛ تلك هي البداية الحقيقية.
ولا يعني ذلك أن كل من ينتمي إلى أسرة أو محيط سبق أن تورط أحد أفراده في الفساد يصبح فاسداً بالضرورة. فهذا ظلم لا يقبله عقل ولا قانون. الإنسان يُحاسب على فعله هو، لا على فعل أخيه أو أبيه أو قريبه.
لكن ما لا يجوز أيضاً هو أن تتحول القرابة والمحسوبية إلى شبكة تحمي الفساد أو تعيد إنتاجه، وأن يصبح الجهاز الإداري مجالاً تتوارث فيه المواقع والنفوذ، بينما تبقى الكفاءة والنزاهة في الصفوف الخلفية.
إن الدولة الحديثة لا تُدار بمنطق «من تعرف؟»، وإنما بمنطق «ماذا تستطيع؟ وماذا فعلت؟ وهل أنت جدير بالثقة؟».
وهنا تتضح أهمية كلام مستشار الوزير الأول.
فالفصل بين الصداقة والوظيفة ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو ضرورة مؤسسية.
والفصل بين الولاء الشخصي والولاء المؤسسي ليس مجرد موقف نبيل، بل هو أساس من أسس الدولة.
والفصل بين النصيحة والتملق ليس مجرد شجاعة فردية، بل هو شرط لحسن صناعة القرار.
والفصل بين الطاعة المشروعة والتبعية الشخصية هو الحد الفاصل بين موظف يخدم الدولة وموظف يخدم الأشخاص.
لكن كل ذلك يحتاج إلى دولة تجعل الالتزام بهذه القيم ممكناً.
دولة لا يخاف فيها الموظف النزيه من قول الحقيقة.
دولة لا يحتمي فيها المخطئ بعلاقاته.
دولة لا يصبح فيها التقرير الرقابي نهاية القصة، وإنما بدايتها.
دولة لا يُكافأ فيها من فشل أو أفسد بإعادته إلى موقع آخر، ولا يُعاقب فيها النزيه لأنه رفض أن يتحول إلى تابع.
إن بناء دولة القانون ليس مهمة الحكومة وحدها، ولا مهمة أجهزة الرقابة وحدها. إنه مشروع يحتاج إلى تضافر جهود النخبة الوطنية التي لم تتلوث بالفساد، وإلى إرادة سياسية تجعل المؤسسات فوق الأشخاص، والقانون فوق العلاقات، والمصلحة العامة فوق الحسابات الخاصة.
وعندما تصبح هذه القاعدة راسخة، لن نحتاج إلى البحث كثيراً عن رجال يقولون الحقيقة؛ لأن المؤسسة نفسها ستكون قد أصبحت حامية للحقيقة.
عندها فقط يمكن أن يصبح شعار «الولاء للدولة لا للأشخاص» ممارسة يومية لا مجرد عبارة جميلة.
حمادي سيدي محمد آباتي







