قراءة ناقدة في أزمة الإدارة والتنمية في موريتانيا
ليس أكثر إيلامًا من أن ينظر المواطن إلى بلاده، فيرى أن المشكلات تتغير أسماؤها، لكن أسبابها تظل واحدة.
تنظر إلى التعليم، فتجد تراجعًا في جودة المخرجات، وخللًا في البرامج، وضعفًا في البنية التحتية في كثير من المؤسسات، رغم أن هذا القطاع استهلك على مدى عقود جزءًا كبيرًا من الإنفاق العام.
وتنظر إلى الصحة، فتجد أن المواطن ما زال يبحث عن خدمة تحفظ كرامته.
وتنظر إلى الطرق، فتلاحظ أن بعضها يبدأ في فقدان جودته بعد فترة وجيزة من إنجازه.
وتنظر إلى المياه والكهرباء، فتجد أن الانقطاعات ما زالت جزءًا من الحياة اليومية في كثير من المناطق.
وتنظر إلى التكوين المهني، فتجد الفجوة قائمة بين مخرجاته واحتياجات سوق العمل.
بل حتى نظافة العاصمة، وهي من أبسط مظاهر حضور الدولة في الفضاء العام، ظلت لعقود تتلقى العقود والاعتمادات، بينما بقي الواقع بعيدًا عن المستوى الذي ينتظره المواطن.
وقد يختلف الناس في تقييم كل قطاع على حدة، لكن من العسير تجاهل سؤال يفرض نفسه بإلحاح:
كيف يمكن أن تتكرر النتيجة نفسها في معظم القطاعات رغم اختلاف الوزراء، والإدارات، والبرامج، والميزانيات؟
إذا تكرر الفشل في قطاع واحد، فقد يكون السبب مسؤولًا غير كفء أو سياسة خاطئة.
أما إذا تكرر النمط نفسه في معظم القطاعات، فإن المشكلة تصبح أعمق من الأشخاص، وأكبر من الحكومات، وأقرب إلى طريقة إدارة الدولة نفسها.
ولعل موريتانيا تقدم مثالًا يستحق التأمل.
فبعد الاستقلال، وبرغم محدودية الموارد، كانت الدولة الناشئة تتحرك وفق مشروع واضح لبناء مؤسسات دائمة. لم تكن الإمكانات كبيرة، لكن فكرة الدولة كانت تقوم على الانضباط الإداري، وترشيد الإنفاق، والمحافظة على الموارد، والنظر إلى المستقبل باعتباره مشروعًا تراكميًا.
ثم دخلت البلاد، منذ المراحل التي أعقبت الانقلابات العسكرية، في مسار مختلف. ومع مرور الوقت، تشكلت – في نظر كثير من المتابعين – ثقافة إدارية جديدة، أصبحت فيها الاعتبارات السياسية أكثر حضورًا في إدارة المشاريع العامة.
ولا يعني ذلك أن كل مشروع أُنجز كان بلا جدوى ولا أن كل جهد بذل كان عديم القيمة، فذلك لا ينسجم مع الواقع. لكن يبدو أن كثيرًا من المشاريع أُديرت بمنطق يركز على الإعلان والتدشين أكثر من التركيز على دورة حياتها الكاملة.
ومن هنا بدأ الخلل الحقيقي.
فالمشروع في الدولة الحديثة لا ينتهي يوم يُقص شريط افتتاحه، بل يبدأ يوم يدخل الخدمة. بعدها تأتي الصيانة، والمتابعة، وقياس الأداء، والتقييم، ثم المحاسبة عند التقصير.
أما عندما يصبح الهدف السياسي للمشروع أهم من أثره التنموي، فإن التدشين يتحول إلى نهاية القصة، بدل أن يكون بدايتها.
وهذا ما يفسر ظاهرة تتكرر كثيرًا: مشاريع تُنجز، ثم تغيب عنها الصيانة، وتضعف متابعتها، ولا يُقاس أثرها، ولا تُراجع أسباب نجاحها أو إخفاقها، ثم تبدأ مشاريع جديدة، بينما تبقى الأسئلة القديمة بلا إجابة.
وهنا لا تعود المشكلة نقصًا في المال، ولا في الدراسات، ولا في الشعارات، وإنما في فلسفة الإدارة.
فالدولة التي تجعل نجاحها مرتبطًا بعدد المشاريع التي أعلنتها تختلف عن الدولة التي تجعل نجاحها مرتبطًا بما أحدثته تلك المشاريع من تغيير في حياة الناس.
الأولى تنتج أخبارًا.
والثانية تنتج تنمية.
الأولى تقيس الإنجاز بيوم الافتتاح.
أما الثانية فتقيسها بعد أعوام من التشغيل والصيانة واستمرار الخدمة.
ولهذا فإن المرض الحقيقي، في تقديري، ليس التعليم، ولا الصحة، ولا الطرق، ولا الكهرباء، ولا المياه، ولا النظافة، لأن هذه كلها أعراض لمرض واحد.
المرض هو أن ثقافة إدارة الدولة أصبحت، في كثير من الأوقات، تنظر إلى المشروع باعتباره حدثًا سياسيًا أكثر من كونه استثمارًا ممتدًا في بناء الوطن.
ولن يتغير هذا الواقع بمجرد زيادة الميزانيات أو إطلاق مشاريع جديدة، وإنما عندما يصبح التقييم جزءًا من القرار، والمتابعة جزءًا من التنفيذ، والصيانة جزءًا من المشروع، والمساءلة جزءًا من الإدارة.
وعندها فقط سيتغير السؤال الذي اعتدنا سماعه:
كم مشروعًا افتتحنا؟
ليصبح السؤال الذي يليق بدولة تبحث عن المستقبل:
كم مشروعًا ما زال يعمل بكفاءة بعد خمس سنوات؟ وكم مشروعًا حقق الغاية التي أنشئ من أجلها؟
فالدول لا تُبنى بكثرة ما تعلن عنه، بل بقدرتها على تحويل كل مشروع إلى مؤسسة تؤدي وظيفتها، وكل نفقة إلى أثر ملموس، وكل وعد إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.







