في بلدٍ تعوّد أن يعيش على إيقاع الأزمات الهادئة، جاء لقاء فخامة الرئيس، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، مع قادة الأحزاب السياسية هذه المرة بنكهة مختلفة. لم يكن لقاءً عادياً لتبادل المجاملات أو تسجيل المواقف، بل بدا أقرب إلى جلسة مصارحة وطنية، عنوانها: الوضع لم يعد يحتمل التجميل.
نحن في موريتانيا نعرف جيدًا كيف تصلنا رياح الأزمات من بعيد، لكننا نكتشف في كل مرة أن أثرها علينا أقسى مما نتوقع. فحين ترتبك أسواق الطاقة في الشرق الأوسط، لا يتأخر وقع ذلك في نواكشوط، حيث يتحول الأمر سريعًا إلى ضغط على المعيشة، وعلى جيب المواطن، وعلى حسابات الدولة معًا. وهنا تحديدًا، اختار الخطاب الرسمي هذه المرة أن يكون واضحًا: المشكلة ليست طارئة فقط، بل هي أيضًا هيكلية.
الحديث عن التبعية الطاقوية لم يكن جديدًا، لكن الجديد هو طرحه بهذه الصراحة السياسية. وكأن السلطة تقول، بلغة غير مباشرة: “لقد كنا نُسكّن الألم، لكن الوقت حان لمعالجة السبب”. غير أن ما بين القول والفعل، تبقى المسافة التي تُقاس بها جدية السياسات.
في الثقافة الموريتانية، يُقال: “اللي ما يگدر على الحمل ما يزاحم عليه”، ويبدو أن الدولة بدأت تدرك أن حمل دعم الطاقة بهذا الشكل لم يعد ممكنًا. لذلك جاء التلميح واضحًا إلى أن هذا الدعم، رغم ضرورته، لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. وهنا تبدأ القصة الحقيقية: من سيدفع الفاتورة؟ وكيف؟
دعوة الأحزاب السياسية لم تكن مجرد انفتاح ديمقراطي بقدر ما كانت توزيعًا ذكيًا للمسؤولية. فالقرار الصعب، إذا جاء في سياق جماعي، يصبح أقل كلفة سياسيًا. لكن في المقابل، يبقى الشارع هو الحكم النهائي، لأنه الطرف الذي لا يملك ترف المناورة، ولا مساحة التأجيل.
الخطاب دعا إلى الترشيد، إلى التقشف، إلى المسؤولية… وهي كلمات مفهومة في زمن الأزمات، لكنها في الوعي الشعبي تحتاج دائمًا إلى شرط واحد حتى تُقبل: العدالة.
فالناس هنا لا يرفضون الشدّة إذا كانت موزعة بالتساوي، لكنهم لا يتسامحون مع الإحساس بأن العبء يقع دائمًا في الاتجاه نفسه.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن قراءة هذا التحرك خارج سياق أوسع: موريتانيا تحاول أن تمسك العصا من الوسط، بين ضرورة الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وضرورة إصلاح اختلالات اقتصادية مزمنة. وهي معادلة معروفة بصعوبتها، لأن أي اختلال في التوازن قد يُفهم إما كضعف في القرار، أو كقساوة في السياسة.
ومع ذلك، يبقى في المشهد جانب إيجابي لا يمكن تجاهله: هناك محاولة واضحة للانتقال من إدارة الأزمة إلى التفكير فيها. من رد الفعل إلى الفعل. وهذه، في حد ذاتها، خطوة إلى الأمام، حتى وإن كانت الطريق بعدها طويلة.
في النهاية، نحن أمام لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط للحكومة، بل للطبقة السياسية كلها، بل وللمجتمع أيضًا. لأن الأزمات الكبرى لا تُدار بالقرارات وحدها، بل بثقافة جماعية تتشكل تحت الضغط.
ويبقى السؤال الموريتاني البسيط، العميق في آنٍ واحد:
هل سنحوّل هذه الأزمة إلى بداية وعي اقتصادي جديد،
أم سنمرّ بها كما مررنا بغيرها… نتحمّلها بصمت، ثم نعود إلى نفس النقطة؟
بقلم احمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي







