من كوبني إلى عمق الدولة: هل حدودنا في مأمن؟

بواسطة أبوه مولاي ادريس

في الجغرافيا السياسية، لا تُقاس الحوادث بحدودها الضيقة، بل بما تكشفه من اختلالات أعمق في معادلة السيادة والأمن. ومن يتابع المشهد الحدودي في منطقتنا يدرك أن ما جرى في كوبني لا يمكن اختزاله في كونه واقعة معزولة، بقدر ما يعكس حالة إقليمية هشّة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع تعقيدات الواقع الميداني.
فقد كشفت المعطيات الميدانية عن دخول وحدة من الجيش المالي إلى عدد من القرى التابعة لبلدية كوكي، حيث أُبلغ السكان بأن هذه الأراضي تتبع لمالي، دون تسجيل أي مواجهات أو خسائر بشرية. ورغم أن هذا المعطى يبعث على التهدئة، فإنه لا يلغي حساسية الواقعة، بل يعزز من دلالتها: تحرك هادئ في شكله، لكنه عميق في مضمونه، ومرتبط بسؤال السيادة أكثر من كونه حادثًا عابرًا.
ورغم أن الحادثة لم تنزلق إلى تصعيد، فإنها—في تقديري—تفتح بابًا مشروعًا للتساؤل حول فعالية الضبط الحدودي في مناطق يغيب فيها الترسيم الدقيق، ويضعف فيها الحضور الإداري للدولة. هناك، لا تبدو الحدود خطوطًا فاصلة بقدر ما تتحول إلى فضاءات رمادية، تُختبر فيها السيادة بصمت، وأحيانًا دون إعلان.
وليس هذا الإشكال وليد اللحظة، إذ تشير معطيات سابقة، من بينها بعثة رسمية سنة 2014، إلى وجود تداخل في بعض النقاط الحدودية بين موريتانيا ومالي. غير أن ما يميز هذه الواقعة هو انتقال هذا التداخل من الإطار النظري إلى الممارسة الميدانية، عبر دخول قوة عسكرية وإبلاغ السكان بتبعية أراضيهم، وهو ما يمكن قراءته كنوع من اختبار الواقع أو محاولة فرض تصور معين للحدود.
وعند وضع هذه الحادثة في سياق الساحل، تتضح الصورة أكثر. فالمنطقة لم تعد مجرد مجال جغرافي، بل فضاء تتقاطع فيه التهديدات الأمنية مع هشاشة البنى المؤسسية. وفي مثل هذا المناخ، قد تحمل تحركات محدودة في ظاهرها رسائل تتجاوز بعدها المباشر، حتى وإن لم تكن مقصودة في حد ذاتها.
ولا يمكن—في رأيي—فهم ما جرى دون استحضار البعد الاقتصادي والاجتماعي للمجال الحدودي. فمناطق التماس بين موريتانيا ومالي ليست خطوطًا صامتة، بل فضاءات حية للإنتجاع الرعوي والتنقل الموسمي. هذا النمط من العيش، المتجذر في تاريخ المنطقة، يتجاوز بطبيعته الحدود السياسية، ويجعلها أقل صرامة في الواقع مما هي عليه في الخرائط. غير أن هذا التداخل، في ظل ضعف التأطير القانوني وهشاشة التنسيق، يخلق احتكاكات قد تبدو عرضية، لكنها تحمل في طياتها قابلية التحول إلى أزمات.
وفي هذا السياق، تستند الرواية المحلية إلى مؤشرات سيادية ملموسة، من قبيل وجود مدارس موريتانية، ومكاتب تصويت، وإدارة محلية قائمة، وهي عناصر تعزز—من الناحية الواقعية—الانتماء الترابي لهذه القرى. غير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، تظل بحاجة إلى سند قانوني وترسيم نهائي معترف به، لأن السيادة لا تُحسم فقط بالوجود الإداري، بل أيضًا بالاتفاقات الرسمية والخرائط الدقيقة.
أما ما أُثير بشأن محاولة إنزال العلم الوطني من إحدى المدارس—إن ثبت—فإنه يتجاوز كونه حادثة ميدانية، ليأخذ بعدًا رمزيًا يمس جوهر السيادة. وفي المقابل، يعكس رد فعل السكان المحليين حقيقة غالبًا ما تُغفل: أن حماية الحدود لا تقوم على الجيوش وحدها، بل على وعي المواطنين وانخراطهم.
واللافت في هذه الواقعة هو غياب أي تصعيد ميداني، ما يعكس—على الأرجح—رغبة ضمنية لدى الأطراف في تفادي الانزلاق نحو مواجهة مباشرة. غير أن هذا الهدوء لا ينبغي أن يُفهم كضمان دائم للاستقرار، بل كفرصة يجب استثمارها لمعالجة أصل الإشكال، لأن القضايا الحدودية غير المحسومة تظل قابلة للاشتعال في أي لحظة، خاصة في بيئة الساحل الهشة.
وفي خضم هذا النقاش، يظل عنصر الثقة في مؤسساتنا السيادية حاضرًا بقوة، وفي مقدمتها الجيش الوطني، الذي أثبت عبر السنوات قدرة عالية على حماية الحدود والتعامل مع مختلف التحديات الأمنية بحكمة وانضباط. فالقوات المسلحة الموريتانية راكمت تجربة معتبرة في تأمين المجال الترابي، خصوصًا في بيئة الساحل المعقدة، حيث تتطلب المهام يقظة دائمة وتوازنًا دقيقًا بين الحزم وضبط النفس. ومن هذا المنطلق، فإن ما يُطرح من تساؤلات أو ملاحظات لا ينبغي أن يُفهم كتشكيك في جاهزية الجيش أو كفاءته، بل كجزء من نقاش مشروع يروم تعزيز الأداء وتحصين المكتسبات. فالثقة في الجيش لا تتعارض مع السعي إلى تطوير آليات العمل، بل تُشكّل أساسًا متينًا لأي رؤية إصلاحية تُعزز مناعة الدولة وتدعم قدرتها على فرض سيادتها.
وتبقى إدارة المعلومة من أكثر الجوانب حساسية في مثل هذه السياقات. فليس كل ما يُقال في لحظته يكون مفيدًا في أثره. وكان من الأجدر—كما أرى—إحالة المعطيات إلى الجهات المختصة لمعالجتها بهدوء، عبر القنوات الرسمية، بعيدًا عن الارتباك أو التسرع. فبعض الأزمات لا تتفاقم بسبب خطورتها، بل بسبب طريقة التعاطي معها.
وفي هذا الإطار، يصبح التناغم بين ما يُنشر في الفضاء العام وما يصدر عن الجهات الرسمية ضرورة لا ترفًا. فالكلمة، في القضايا السيادية، قد تكون أحيانًا أشد أثرًا من الفعل إذا أُخرجت من سياقها أو استُخدمت دون تدقيق. ومن هنا، تتوزع المسؤولية بين الدولة في التوضيح، والفاعلين في التحري والانضباط، مع التأكيد على وجوب ابتعاد أي جهة غير أمنية أو غير مخولة رسميًا عن نشر معلومات تتعلق بالأمن الحدودي، وترك هذا الملف الحساس للجهات المختصة، وعلى رأسها وزارة الداخلية ووزارة الخارجية.
وفي سياق التفاعل السياسي، يعكس بيان حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) حول حادثة مقتل موريتانيين داخل الأراضي المالية، وما تبعه من استدعاء رئيس الحزب من طرف وزير الداخلية، حساسية المرحلة وتعقيداتها. وبرأيي، فإن دعوة وزارة الداخلية إلى التحري وتجنب التصعيد تبدو في محلها، خاصة في ظرف إقليمي دقيق. وكان من الأولى—في مثل هذه القضايا—إحالة المعطيات إلى الجهات المختصة بدل نشرها، لما لذلك من أثر مباشر على إدارة الأزمات.
ومع ذلك، يظل من الضروري أن تواصل الأحزاب أداء دورها، ولكن ضمن إطار من المسؤولية والتكامل مع مؤسسات الدولة، بما يعزز الموقف الوطني بدل إرباكه.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال أن التعاطي الرسمي الموريتاني اتسم بقدر من ضبط النفس، وهو خيار واقعي في بيئة لا تحتمل المغامرة. فليس كل تصعيد قوة، كما أن التسرع قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. غير أن هذا التوازن يظل هشًا ما لم يُدعّم بإجراءات عملية تمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
وانطلاقًا من ذلك، لا يكفي تشخيص الإشكال، بل يصبح الانتقال إلى خطوات ملموسة ضرورة ملحّة، من أبرزها:
1-تعزيز الحضور الميداني للدولة في المناطق الحدودية، أمنيًا وإداريًا وخدماتيًا، لترسيخ السيادة في بعدها العملي؛
2-تسريع عمليات ترسيم الحدود وتثبيتها بعلامات واضحة، للحد من مناطق الالتباس؛
3-تنظيم الإنتجاع الرعوي عبر آليات ثنائية مرنة، توازن بين ضرورات العيش ومتطلبات السيادة؛
4-إنشاء قنوات تنسيق ميداني مباشر بين الأجهزة الأمنية في البلدين، لتفادي سوء التقدير؛
5-اعتماد سياسة تواصل رسمية استباقية، تسد فراغ المعلومة وتحد من الشائعات.
غير أن جوهر المسألة يتجاوز هذه الإجراءات التقنية. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها عند الاختبار، بل بقدرتها على جعل هذه الحدود غير قابلة للاختبار أصلًا، عبر وضوحها  عمقًا؟


 

بقلم: أحمد محمد حمادة
كاتب ومحلل سياسي