التعليم وإعادة إنتاج النخب: لماذا يبدأ الإصلاح من مكانة الأستاذ؟

بواسطة أبوه مولاي ادريس

حين نتأمل التجارب التعليمية الناجحة في العالم، يتضح أن المدرسة ليست مجرد مؤسسة لنقل المعرفة، بل هي في جوهرها مؤسسة اجتماعية وسياسية عميقة التأثير. فهي التي تشكل العقول، وتحدد إلى حد بعيد من يمتلك أدوات الفهم والتأثير في المجتمع. ولذلك فإن السؤال عن التعليم ليس سؤالًا تقنيًا يتعلق بالمناهج أو البنيات التحتية فقط، بل هو في حقيقته سؤال عن طبيعة السلطة في المجتمع، وعن الكيفية التي تُعاد بها صياغة النخب عبر الأجيال.

ولعل التجربة الفنلندية تقدم مثالًا واضحًا على ما يحدث حين تتبنى الدولة تصورًا ديمقراطيًا للتعليم. فهناك أدركت الدولة منذ عقود أن العدالة التعليمية ليست مجرد شعار اجتماعي، بل شرط أساسي لبناء مجتمع متوازن. ولذلك جُعل الأستاذ في قلب المشروع التربوي، لأن من يقف داخل الفصل هو الذي يملك القدرة على تحويل التعليم إلى فرصة حقيقية متكافئة لجميع الأطفال.

فالمعلم في فنلندا ليس موظفًا بسيطًا، بل خبير تربوي يُنتقى بعناية، ويُكوَّن تكوينًا عالي المستوى، ويُمنح استقلالية وثقة تسمحان له بأداء دوره بحرية ومسؤولية. وبهذه الطريقة تصبح المدرسة فضاءً تُكسر فيه الفوارق الاجتماعية بدل أن تُعاد إنتاجها، لأن جودة التعليم لا ترتبط بثروة الأسرة ولا بموقعها الاجتماعي، بل بكفاءة المؤسسة التعليمية نفسها.

غير أن الصورة تختلف كثيرًا في مجتمعات تقليدية عديدة، حيث لا يُنظر إلى التعليم دائمًا بوصفه أداة للتحرر الاجتماعي، بل قد يتحول — بوعي أو من دون وعي — إلى آلية لإعادة إنتاج البنية الاجتماعية القائمة. ففي مثل هذه المجتمعات، تتداخل السلطة الاجتماعية والاقتصادية مع المجال التعليمي، فتتشكل شبكات مصالح تستفيد من بقاء المدرسة في وضع هش.

إن ضعف المدرسة العمومية في هذه الحالات لا يكون مجرد نتيجة لقصور إداري أو مالي، بل يصبح جزءًا من توازن اجتماعي غير معلن. فحين تضعف المدرسة التي يلجها أبناء الفئات الواسعة من المجتمع، تبقى أفضل فرص التكوين الحقيقي متاحة أساسًا لأبناء الفئات الأكثر نفوذًا، سواء عبر التعليم الخاص أو عبر شبكات اجتماعية تمنحهم أفضلية في الوصول إلى المعرفة والسلطة.

وبهذا المعنى، يصبح التعليم أحد أهم المجالات التي تُعاد فيها صياغة النخب. فالأبناء الذين يحصلون على تعليم قوي يملكون لاحقًا القدرة على احتلال مواقع القرار في الدولة والمجتمع، بينما يبقى الآخرون في موقع التلقي أو الهامش. وهكذا تتكرر الدورة الاجتماعية نفسها جيلاً بعد جيل، ويصبح الحديث عن تكافؤ الفرص مجرد شعار أكثر منه واقعًا فعليًا.

وفي هذا السياق، تتخذ قضية الأستاذ أهمية مضاعفة. فالمعلم ليس مجرد عنصر داخل النظام التعليمي، بل هو أحد المفاتيح الأساسية التي تحدد ما إذا كانت المدرسة ستصبح أداة للتحرر الاجتماعي أم أداة لإعادة إنتاج التفاوت. فإذا كان الأستاذ ضعيف التكوين، قليل الثقة في نفسه، مهمش المكانة داخل المجتمع، فإن المدرسة تفقد قدرتها على أداء دورها التغييري.

وقد ساهمت بعض السياسات التعليمية في تكريس هذا الوضع حين تحولت عملية الاكتتاب في مهنة التعليم، في بعض المراحل، إلى استجابة سريعة لحاجات ظرفية بدل أن تكون اختيارًا قائمًا على معايير صارمة من الكفاءة العلمية والتأهيل التربوي. ومع مرور الوقت أدى ذلك إلى تراجع المكانة الرمزية للمدرس، وإلى ضعف الثقة المجتمعية في قدرته على أداء رسالته.

وهنا تبدأ حلقة مفرغة خطيرة: فالمعلم الذي يشعر بأن مهنته لا تحظى بالتقدير الكافي يفقد تدريجيًا الحافز والهيبة، والمجتمع الذي لا يثق في تكوين المعلم يفقد بدوره ثقته في المدرسة، فتتراجع قيمة التعليم في الوعي العام. ومع تراجع هذه القيمة يصبح من السهل على شبكات المصالح المختلفة أن تستفيد من بقاء الوضع كما هو عليه.

لكن الخلل لا يقتصر على الجانب المعرفي فقط، بل يمتد كذلك إلى البعد الأخلاقي الذي يشكل أساس العملية التربوية. فالتعليم في جوهره ليس نقل معلومات فحسب، بل هو قبل كل شيء تكوين إنساني وأخلاقي. وقد أدركت المجتمعات التي نجحت في بناء أنظمة تعليمية قوية أن المدرسة لا تصنع العقول فقط، بل تصنع أيضًا الضمائر التي توجه هذه العقول.

وحين يضعف هذا البعد الأخلاقي داخل المنظومة التعليمية، يصبح التعليم مهددًا بفقدان معناه الحقيقي. فقد تتكدس المعلومات، لكن دون أن تتشكل القيم التي تمنحها اتجاهًا إنسانيًا. وفي هذه الحالة يتحول التعليم إلى معرفة بلا روح، أو إلى ما يمكن وصفه بــ "جهل حديث بواجهة عصرية".

إن إصلاح التعليم في مثل هذه الظروف لا يمكن أن يتحقق عبر إصلاحات تقنية محدودة، ولا عبر خطابات سياسية متكررة عن التحديث والإصلاح. فالمسألة في جوهرها تتعلق بإعادة تعريف الدور الذي نريده للمدرسة في المجتمع:
هل نريدها مؤسسة تعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية نفسها، أم مؤسسة تفتح آفاق الترقي الاجتماعي أمام الجميع؟

إن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال تفرض إعادة الاعتبار للأستاذ بوصفه حجر الأساس في أي مشروع إصلاحي. فبناء معلم قوي علميًا وأخلاقيًا يعني بناء مدرسة قادرة على أداء وظيفتها التاريخية في تحرير العقول وتوسيع آفاق المجتمع.

ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ بثلاث خطوات مترابطة:
أولها استعادة المكانة المادية والمعنوية للأستاذ حتى يشعر بأنه عنصر مركزي في بناء المجتمع.
وثانيها إعادة بناء منظومة التكوين والانتقاء بحيث تصبح مهنة التعليم من أكثر المهن تطلبًا للكفاءة العلمية والتربوية.
أما الخطوة الثالثة فهي إعادة الاعتبار للبُعد الأخلاقي في التعليم، لأن المعرفة من دون قيم قد تتحول إلى قوة بلا اتجاه.

لقد فهمت فنلندا أن الطريق إلى مجتمع عادل يمر عبر مدرسة عادلة، وأن هذه المدرسة لا يمكن أن تقوم من دون معلم محترم ومؤهل. أما المجتمعات التي لا تزال تتردد في وضع الأستاذ في قلب مشروعها التربوي، فإنها تظل تدور في حلقة إصلاحات جزئية لا تمس جوهر المشكلة.

فالأمم لا تُبنى بالبرامج وحدها، بل بالإنسان القادر على حمل هذه البرامج.
وحين يُبنى الأستاذ علميًا وأخلاقيًا، تصبح المدرسة قادرة على أن تقوم بوظيفتها الكبرى: صناعة إنسان حر قادر على بناء مجتمع أكثر عدلًا وتوازنًا.
 

حمادي سيدي محمد آباتي