يدرك المتتبع للنقاش الدائر حول أسعار المحروقات في موريتانيا أن هذا الملف لم يكن يوماً مجرد مسألة تقنية تتعلق بحسابات الطاقة أو تقلبات السوق العالمية. فأسعار الوقود في بلد مثل موريتانيا تمس مباشرة معيشة الناس اليومية، وتؤثر في تكلفة النقل والمواد الأساسية، بل وحتى في المزاج العام للمجتمع. لذلك يصبح أي تعديل في هذه الأسعار حدثاً سياسياً بقدر ما هو قرار اقتصادي.
التوضيحات التي قدمتها وزارة الطاقة والنفط مؤخراً حول الهيكلة الجديدة للأسعار تكشف عن محاولة واضحة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة وسوق الطاقة. فالحكومة تقول إنها وضعت آليات تقنية صارمة تجعل الزيادة في الأسعار المحلية لا تتجاوز سقف خمسة في المائة، مهما بلغت تقلبات السوق الدولية. وفي المقابل، تؤكد أن أي انخفاض عالمي سينعكس مباشرة على المستهلك.
غير أن قراءة هذه الإجراءات لا تكتمل دون النظر إلى السياق الدولي الأوسع الذي تتحرك فيه أسواق الطاقة اليوم. فالتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أعاد إلى الواجهة احتمال اضطراب إمدادات النفط العالمية، خصوصاً في منطقة الخليج التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة في العالم. ومثل هذه التوترات، حتى قبل أن تتحول إلى تعطّل فعلي للإمدادات، كفيلة بدفع الأسواق إلى موجات من المضاربة وارتفاع الأسعار. وبالنسبة لبلد مستورد للطاقة مثل موريتانيا، فإن أي اهتزاز في هذه المنطقة الحساسة ينعكس سريعاً على فاتورة الاستيراد وعلى توازنات السوق المحلية، وهو ما يفسر إلى حد كبير حرص الحكومة على بناء آليات تمتص الصدمات المحتملة قبل أن تتحول إلى أزمة داخلية.
من حيث المبدأ، تبدو هذه المقاربة محاولة لإيجاد نوع من التوازن بين منطق السوق ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي. فالدولة لم تعد قادرة، كما في السابق، على تحمل دعم واسع النطاق لأسعار الوقود في ظل الضغوط المالية المتزايدة. وفي الوقت نفسه، لا يمكنها ترك الأسعار تتحرك بحرية كاملة وفق تقلبات الأسواق العالمية، لأن ذلك سيجعل الاقتصاد المحلي عرضة لصدمات مفاجئة قد يصعب على المجتمع تحملها.
لكن ما يلفت الانتباه في الخطاب الحكومي هو السعي الواضح إلى نفي فكرة أن الدولة تسعى للتربح من المحروقات. فهذه التهمة ظلت حاضرة في النقاش العام كلما ارتفعت الأسعار. ولهذا تحرص الحكومة على إبراز أن البنزين شهد انخفاضاً للشهر الثاني على التوالي، في محاولة لإظهار أن النظام الجديد لا يعمل في اتجاه واحد.
غير أن البعد الأهم في هذه السياسة ربما يكمن في التحول التدريجي من دعم الأسعار إلى دعم الفئات الاجتماعية. فإطلاق آلية “تساند” وتحويل الدعم إلى مساعدات نقدية موجهة للأسر المسجلة في السجل الاجتماعي يمثل تغييراً جوهرياً في فلسفة الدعم الحكومي. فالدعم الشامل كان، في الواقع، يستفيد منه الجميع، بما في ذلك أصحاب الدخول المرتفعة، بينما لا تحصل الفئات الهشة دائماً على نصيب عادل منه.
هذا التحول يعكس اتجاهاً عالمياً متزايداً نحو استهداف الدعم بدل توزيعه بشكل عام. لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات عملية مهمة، لأن نجاح هذه السياسة يعتمد على دقة السجل الاجتماعي وشفافية آليات التوزيع، فضلاً عن قدرة الدولة على الحفاظ على ثقة المواطنين في أن الدعم يصل فعلاً إلى مستحقيه.
يبقى السؤال الجوهري مرتبطاً بمدى نجاعة هذا التوجه الجديد وقدرته على الصمود مع مرور الوقت. ففكرة ضبط الزيادات في الأسعار وتوجيه الدعم مباشرة إلى الفئات الأكثر هشاشة تبدو، من حيث المبدأ، مقاربة أكثر عقلانية من نظام الدعم الشامل الذي يستفيد منه الجميع دون تمييز. غير أن نجاح هذا المسار يظل رهيناً بعدة تحديات أساسية، في مقدمتها دقة السجل الاجتماعي وقدرته على تحديد الفئات المستحقة بشكل عادل، وشفافية آليات تحويل الدعم النقدي، إضافة إلى قدرة الدولة على الحفاظ على توازن مالي يسمح لها بمواصلة هذا الدعم دون أن يتحول إلى عبء ثقيل على الخزينة. كما أن استمرار التقلبات الحادة في أسواق الطاقة العالمية قد يضع هذه الآلية أمام اختبارات صعبة، ما يتطلب قدراً كبيراً من المرونة في السياسات الاقتصادية واستعداداً دائماً لمراجعة الأدوات المعتمدة حتى تبقى قادرة على حماية الاستقرار الاجتماعي دون الإخلال بالتوازنات المالية للدولة.
وفي تقديري، فإن نجاح هذه المقاربة لن يعتمد فقط على ضبط آليات التسعير أو تحويل الدعم النقدي، بل أيضاً على التفكير في حلول أكثر استدامة تقلل من هشاشة موريتانيا أمام تقلبات أسواق الطاقة العالمية. فقد يكون من الضروري أن تتجه السياسات العمومية تدريجياً نحو تنويع مصادر التزود بالطاقة، وتعزيز الاستثمارات في الطاقات المحلية، سواء في مجال الغاز أو الطاقات المتجددة التي تمتلك البلاد فيها إمكانات معتبرة. كما يمكن التفكير في بناء احتياطي استراتيجي من المحروقات يسمح بامتصاص الصدمات المؤقتة في الأسواق الدولية. فكلما نجحت موريتانيا في تقليص اعتمادها على التقلبات الخارجية، زادت قدرتها على حماية استقرارها الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل.
في النهاية، تبدو السياسة الحالية محاولة لإدارة هذا التوازن الدقيق. فهي لا تعود إلى نموذج الدعم الشامل المكلف، ولا تترك السوق يعمل بلا قيود. بل تسعى إلى بناء صيغة وسطية تقوم على ضبط الزيادات، وربط الأسعار بالواقع الدولي، وتعويض الفئات الأكثر هشاشة بآليات اجتماعية مباشرة.
وفي المحصلة، يبقى الأمل أن تنعكس هذه السياسات فعلاً بشكل إيجابي على حياة المواطن البسيط، الذي غالباً ما يكون أول من يتأثر بارتفاع أسعار الوقود وآخر من يلمس آثار الإصلاحات الاقتصادية. فنجاح أي مقاربة في هذا المجال لن يقاس فقط بسلامة المعادلات التقنية أو بتوازن الأرقام في دفاتر الدولة، بل بمدى شعور الناس في حياتهم اليومية بأن هذه القرارات خففت عنهم عبء المعيشة ومنحتهم قدراً أكبر من الاستقرار. وفي النهاية، لا يسعنا إلا أن نتمنى أن يحفظ الله موريتانيا ويجنبها تقلبات الأزمات، وأن يوفقها إلى السياسات التي تصون استقرارها وتخدم رفاه شعبها.
بقلم أحمد محمد حماده – كاتب ومحلل سياسي







