المواطنة والسلطة والذاكرة: قراءة في خطاب كيهيدي تأملات في خطاب الدولة وسرديات الوحدة

بواسطة أبوه مولاي ادريس

لا يمكن مقاربة خطاب كيهيدي بوصفه مجرد ممارسة خطابية ذات بعد سياسي مباشر، بل ينبغي قراءته كنص مؤسِّس لسردية دولة، أو بالأحرى كمحاولة لإعادة إنتاج سردية الدولة في لحظة يتكاثف فيها سؤال الهوية، وتتقاطع فيها الذاكرة مع السلطة، ويتراجع فيها اليقين حول أسس العيش المشترك. من هذا المنظور، يغدو خطاب رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني تمرينًا في إعادة تعريف المجال الوطني، لا من خلال القوانين أو السياسات، بل عبر اللغة والرمز والتأطير المفهومي.
يحتل مفهوم “رباط المواطنة” في الخطاب موقع المفهوم الناظم، لا بوصفه قيمة أخلاقية مجردة، بل باعتباره آلية ضبط اجتماعي وسياسي. فالمواطنة هنا لا تُستدعى لتأكيد الانتماء، وإنما لتُوظَّف كحدّ فاصل بين ما هو مشروع وما هو غير مشروع في المجال العمومي. هي ليست مجرد رابطة قانونية، بل أداة لإعادة ترتيب العلاقات بين الدولة والمجتمع، وبين الأفراد والجماعات، وبين الذاكرة والحقوق.
يعترف الخطاب بالتعدد الثقافي واللغوي والاجتماعي، لكنه يفعل ذلك ضمن منطق احتوائي مضبوط، يُبقي هذا التعدد في مستوى الرمزي والثقافي، ويمنعه من التحول إلى رأسمال سياسي مستقل. بهذا المعنى، لا ينفي الخطاب الاختلاف، لكنه ينزع عنه قابليته للتحول إلى مصدر شرعية. فالشرعية الوحيدة المعترف بها هي شرعية المواطنة، بما هي انتماء مجرد، متساوٍ، وغير قابل للتجزئة.
من منظور سوسيولوجي، يعكس هذا الطرح قلق الدولة من تفكك المجال الوطني إلى هويات متنافسة، ومن انتقال الصراع من مستوى المطالب الاجتماعية إلى مستوى السرديات المؤسسة. لذلك، لا يسعى الخطاب إلى إدارة الاختلاف بقدر ما يسعى إلى تحييده سياسيًا، عبر تحويله من مصدر للمطالبة إلى مجرد تعبير ثقافي مشروع لكنه غير مُلزِم.
وفي هذا السياق، يكتسب حديث الرئيس عن الحوار الوطني دلالة تتجاوز بعدها الإجرائي. فالحوار، كما يُؤطَّر في الخطاب، ليس فضاءً مفتوحًا لإعادة التفاوض حول معنى الدولة أو شكلها، بل آلية لإعادة إدماج الفاعلين داخل سردية واحدة مسبقة الصياغة. إنه حوار يُدعى إليه الجميع، لكن ضمن شروط رمزية صارمة، تجعل من الوحدة والمواطنة والاستقرار مفاهيم غير قابلة للتفاوض.
أما الاستقرار، فيظهر في الخطاب بوصفه قيمة فوق-سياسية، أو ما يشبه “المقدس المدني”. فالاستقرار لا يُقدَّم كنتاج لسياسات قابلة للنقد، بل كحالة ينبغي الحفاظ عليها بوصفها شرط الوجود الجماعي ذاته. وبهذا، يتحول الاستقرار من نتيجة إلى مبدأ، ومن أفق قابل للنقاش إلى معيار تُقاس به مشروعية الفعل السياسي.
وتبلغ الرسالة السياسية ذروتها في رفض ترتيب الحقوق على أساس الاختلاف. فهذه الفقرة لا تمثل مجرد موقف سياسي، بل تعبيرًا عن تصور أنثروبولوجي للدولة الحديثة، بوصفها كيانًا لا يحتمل الاعتراف بالجماعات بوصفها ذواتًا سياسية مستقلة. الحقوق، وفق هذا التصور، لا تُشتق من التاريخ ولا من الذاكرة ولا من الانتماء، بل من صفة مجردة واحدة: صفة المواطن. أما التمييز الإيجابي، فيُعاد تعريفه باعتباره تدبيرًا تقنيًا مؤقتًا لمعالجة الهشاشة، لا اعترافًا رمزيًا أو سياسيًا بخصوصيات جماعية.
ويُستكمل هذا البناء الخطابي بإدراج التنمية في صلب السردية. فالتنمية هنا ليست مجرد سياسة عمومية، بل أداة لإنتاج المعنى السياسي. إنها تُستخدم لتأكيد أن الاستقرار ليس فقط خيارًا أخلاقيًا أو أمنيًا، بل خيار عقلاني يُنتج نتائج ملموسة. وبذلك، تتحول الأرقام والمشاريع إلى عناصر في خطاب الشرعية، لا إلى موضوعات للنقاش التقني فحسب.
أما الذاكرة، فتُستدعى بحذر شديد. الاعتراف بـ“صفحات مؤلمة” دون تسميتها أو تفكيكها يعكس رغبة في إدارة الماضي لا في مساءلته. فالذاكرة، في هذا الخطاب، تُقبل ما دامت لا تتحول إلى أداة لإعادة فتح الصراع، وتُرفض حين تطالب بأن تكون مصدرًا لإعادة توزيع المعنى أو المسؤولية. إنها ذاكرة مضبوطة، يُسمح لها بالحضور بوصفها عظة أخلاقية، لا بوصفها سؤالًا سياسيًا مفتوحًا.
في المحصلة، يقدم خطاب كيهيدي تصورًا للدولة باعتبارها منتجًا للسردية قبل أن تكون منتجًا للسياسة، دولة تسعى إلى تثبيت معنى واحد للوحدة، وحدٍّ واحد للاختلاف، ومسارٍ واحد للذاكرة. إنه خطاب لا يطمح إلى حل التوترات بقدر ما يطمح إلى احتوائها رمزيًا، ولا يسعى إلى توسيع المجال العمومي بقدر ما يعمل على إعادة تأطيره.
ومن هنا، فإن قيمة خطاب كيهيدي لا تكمن فقط في مضامينه السياسية المباشرة، بل في كونه يكشف عن فلسفة حكم ترى في المواطنة أداة للضبط، وفي الاستقرار قيمة فوق-نقاشية، وفي الذاكرة عنصرًا ينبغي تهذيبه لا تفجيره. وهي فلسفة قد تُنتج تماسكًا مؤقتًا، لكنها تطرح، في العمق، سؤالًا مفتوحًا حول كلفة هذا التماسك وحدود استدامته.

9 فبراير 2026
 

بقلم أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي