الحصانة والعدالة والسمعة: المصير الملتبس لسفيرٍ استثنائي

بواسطة محمد محمد الأمين

أفرزت قضية ما عُرف بـ«قطرغيت»، التي تهزّ المشهد السياسي والإعلامي الأوروبي منذ أشهر، موجة واسعة من التأويلات المتعجلة والمقاربات السطحية، وجد السفير الموريتاني السابق في بلجيكا، عبد الله ولد كبّد، نفسه في قلبها من دون موجب. فهذا الدبلوماسي المخضرم، الذي راكم خبرة دقيقة في دهاليز المؤسسات الأوروبية، كان من أبرز من أسهموا في تعزيز حضور موريتانيا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ومجموعة البنلوكس، قبل أن تجرفه عاصفة من اللغط الإعلامي والسياسي شوّهت حقيقة أدائه وأغفلت الضوابط القانونية التي تحكم العمل الدبلوماسي.

وحتى تتضح الصورة، ينبغي وضع مهمته في إطارها القانوني والدولي السليم. فما صدر عن القضاء البلجيكي من مذكرات توقيف لا يرقى ـ قانونًا ودوليًا ـ إلى مستوى الاتهام، وليس توجيهاً لأي شبهات شخصية، بل هو انعكاس لخلاف داخلي في بلجيكا بشأن تفسير الحصانات الممنوحة للدبلوماسيين الأجانب. فاتفاقية فيينا لعام 1961، وهي الركن الأساسي في تنظيم العلاقات الدبلوماسية الحديثة، تمنح حصانة جنائية كاملة للدبلوماسي، حمايةً له وللدولة التي يمثلها من التوظيف السياسي للإجراءات القضائية. ولا يمكن تجاوز هذه الحصانة إلا بطلب رسمي واضح من الدولة المضيفة للدولة الموفدة، وهو ما لم يحدث قط في هذه القضية. وعليه، فإن عدم مثول السفير أمام القضاء لا يعدو أن يكون ممارسةً طبيعية لحق مقرر دوليًا، بل هو الإجراء المتبع في دول كثيرة عندما تغيب الإطار intergouvernemental الواضح بين البلدين.

وقد زاد من تعقيد المشهد أن اسم موريتانيا واسم ممثلها أُقحما في مناخ إعلامي مضطرب، طغت فيه الاتهامات العشوائية، واتُّهمت دولٌ عدة على نحو لا يستند إلى أدلة قاطعة. وفي مثل هذه الأجواء، يتحول أي دبلوماسي أجنبي إلى مادة جذابة للصحافة، يُحمَّل ما لا يحتمل، ويُقرأ حضوره من زاوية رمزية أكثر منها واقعية. ولم تُنشر إلى اليوم أي بينة تدين ولد كبّد أو تربطه بأي عمل غير مشروع. أما قرار استدعائه، الذي رافقته قراءات مبالغ فيها، فقد تزامن مع أزمة سياسية حادة في بلجيكا ساهمت في استفحال التأويل وتضخيم الظلال بدل الوقائع.

وتزداد المفارقة وضوحًا حين نستحضر سجله الدبلوماسي، إذ يُعدّ ولد كبّد من أكثر السفراء الموريتانيين نجاحاً في أوروبا. فقد أتقن العمل داخل منظومات معقدة كالمفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي وجهاز العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي، كما عرف كيف يتعامل مع هياكل الناتو والعواصم الاسكندنافية. وخلال فترة وجيزة، أعاد وضع موريتانيا في موقع فاعل داخل الدوائر الأوروبية، وبنى شبكة واسعة من العلاقات المهنية، وأدار ملفات بلاده الكبرى ـ الأمنية والهجرة والتنمية والشراكات المؤسسية ـ بمهارة لافتة وشجاعة تفاوضية نادرة. وقد شهد له عدد من المسؤولين الأوروبيين بقدرته على إيصال صوت موريتانيا إلى مساحات كانت بعيدة عن اهتمام الفاعلين الأوروبيين.

إن الصورة التي صُدّرت للرأي العام لا تعكس موقعه ولا أخلاقيات عمله ولا حصيلته المهنية. فهي وليدة عاصفة إعلامية أكثر منها نتيجة تحقيق قانوني قائم على بينات. والحقيقة أن العمل الدبلوماسي يُقيَّم بالمنجزات وبالالتزام بالمبادئ، لا بما يُثار في هوامش الإعلام. والمنجزات تؤكد غياب أي شبهة قانونية ضده، والمبادئ الدولية تقرّ بأن الحصانة ليست امتيازاً شخصياً، بل هي أداة مؤسسية لحماية استقلال القرار الدبلوماسي ومنع تسييس العدالة.

إن تجربة عبد الله ولد كبّد لا ينبغي أن تُقرأ من خلال ضجيج لحظة، بل من خلال مسار مهني رصين يمثل أصلًا قيمة مضافة للدبلوماسية الموريتانية. وموريتانيا ـ التي تحتاج إلى خبرات من طينته في الساحات المعقّدة ـ أحوج إلى الاستفادة من تجربته بدل إقصائها أو تركها للنسيان. فقد كان، وسيظلّ لدى العارفين بالدبلوماسية، نموذجًا للانضباط المهني، وللقدرة على تمثيل بلاده بفاعلية واحترام، ولو أنه وجد نفسه في لحظة عابرة ضحية تقاطعات سياسية لا يد له فيها.