تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَوَدَاعٍ لِلْوَزِيرِ بُويَاغِي وَلَدْ أَبِيدِينَ

بواسطة محمد محمد الأمين

بِمشاعرَ تَغْلي بِالْوَجْدِ، وَهَامَةٍ تَحْتَفِلُ بِالْوَقَارِ، نَجْتَمِعُ الْيَوْمَ لِنَحْمِلَ إِلَى الْخُلَدِ اسْمَ رَجُلٍ مِنْ طِينَةِ الْخُوَّةِ: الْوَزِيرِ بُويَاغِي وَلَدْ أَبِيدِينَ. إِنَّنَا لَمَّا نُطْلِقُ الْكَلِمَةَ الْيَوْمَ عَلَى ذِكْرَاهُ، فَإِنَّنَا لَا نَحْتَفِي بِالوَزِيرِ الْعَامِّ فَحَسْبُ، بَلْ بِالْأَبِ الْحَنُونِ، وَالرَّائِدِ الَّذِي شَقَّ سَبِيلَ الاسْتِقْلَالِ، بِالرَّجُلِ الَّذِي نَسَجَتْ حَيَاتُهُ خُيوطاً مِنَ الْإِيمَانِ وَالشَّجَاعَةِ وَالِانْتِمَاءِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ.

إِنَّ مِنَ الْحَيَوَاتِ مَشَارِيعَ تُخَطُّ لِتَقْتَفِيَهَا الأَجْيَالُ، وَحَيَاةُ الْوَزِيرِ بُويَاغِي كَانَتْ مِنْ هَذَا النَّوْعِ. قَادَتْهُ قَنَاعَاتُهُ الرَّاسِخَةُ فِي مَبَادِئِ الْجُمْهُورِيَّةِ، وَحُبُّهُ الْعَمِيقُ لِهَذَا الْبَلَدِ، فَأَوْقَفَ طَاقَتَهُ وَعَقْلَهُ وَزَمَنَهُ عَلَى مَذْبَحِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ.

وَلَقَدْ سَطَّرَتْ أَيَّامُهُ فِي وِزَارَةِ النَّقْلِ فِي فَجْرِ اسْتِقْلَالِنَا أَسْمَرَ الْبطُولَاتِ. مَنْ ذَا الَّذِي يَنْسَى عَزْمَهُ الْجَلِيلَ وَهُوَ يَحْمِلُ عَلَى عَاتِقِهِ مَشْرُوعَ إنْشَاءِ خُطُوطٍ جَوِّيَّةٍ لِمُورِيتَانِيَا النَّاشِئَةِ؟ لَقَدْ كَانَ إِخْلَاصُهُ وَيَقِينُهُ هُمَا السِّلَاحَ الَّذِي قَاتَلَ بِهِ فِي مَعَارِكِ الْجُمْهُورِيَّةِ الإسْلَامِيَّةِ الْيَافِعَةِ. أَمَّا صَبْرُهُ وَفَصَاحَتُهُ وَحُسْنُ اسْتِمَاعِهِ، فَكَانَتْ أَدَوَاتِهِ الَّتِي يَبْنِي بِهَا وَيُقْنِعُ. لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ قَائِماً عَلَى هَوَى الْجُمْهُورِ، بَلْ عَلَى بَصِيرَةِ الْعَاقِلِ وَحَنَايَا الْقَلْبِ، مُؤْمِناً بِأَنَّ السِّيَاسَةَ فَنُّ تَحْقِيقِ الْمُمْكِنِ مِنَ الضَّرُورِيِّ.

وَمِنْ وَرَاءِ الْقِنَاعِ السِّياسِيِّ وَالْمَشْرُوعِ التَّشْرِيعِيِّ، كَانَ فِيهِ رُوحُ إِنْسَانٍ مُشَبَّعٍ بِالْوِلَاءِ لِلْإِنْسَانِ. وَكُلُّ مَنْ وَاتَتْهُمْ فُرْصَةُ مُجَالَسَتِهِ، يَذْكُرُونَ جَلَالَ اسْتِمَاعِهِ، وَحُسْنَ أَدَبِهِ الَّذِي لَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ الْحَزْمِ، وَرَقَّةَ طَبْعِهِ الَّتِي كَانَتْ تَتَأَلَّقُ فِي مُدَاخَلَاتِهِ. لَمْ يَنْظُرْ إِلَى خُصُومِهِ عَلَى أَنَّهُمْ أَعْدَاءٌ، بَلْ كَانَ يَرَاهُمْ مُخَالِفِينَ فِي الرَّأْيِ يَجِبُ أَنْ يُبْنَى مَعَهُمْ لُحْمَةُ الْوَطَنِ.

وَهَا نَحْنُ الْيَوْمَ، نَرَى إِرْثَهُ الْعَطِرَ حَيّاً بَيْنَنَا. إِرْثٌ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا بَنَى، بَلْ يَتَجَاوَزُهُ إِلَى مَا أَلْهَمَ. أَلْهَمَنَا أَنَّ السِّيَاسَةَ قَدْ تَرْتَقِي إِلَى مَرْتَبَةِ الْفَنِّ الْأَسْمَى، وَأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ رِسَالَةً فِي خِدْمَةِ الْمَنْفَعَةِ الْعَامَّةِ، لَا مَطْمَعاً فِي نَزْوَةِ سُلْطَةٍ.

وَالْآنَ، وَقَدْ وَدَّعْنَاهُ إِلَى مَثْوَاهُ الْأَخِيرِ، فَإِنَّنَا لَا نُطْبِقُ صَفْحَةً مِنْ كِتَابِ الْأَيَّامِ، بَلْ نَفْتَحُ صَفْحَةً جَدِيدَةً: صَفْحَةَ الْوَفَاءِ. الْوَفَاءِ لِقِيمِهِ، وَنُضَالِهِ، وَقَصِيدَةِ نُزَاهَتِهِ وَإِخْلَاصِهِ.

فَشُكْراً لَكَ يَا وَالِدَنَا عَلَى كُلِّ مَا قَدَّمْتَ، وَعَلَى كُلِّ مَا رَسَّخْتَ.

نَحْنُ أَبْنَاؤُكَ نَفْتَخِرُ بِحَمْلِ دِمَائِكَ وَاسْمِكَ، وَنَسْعَى بِتَوَاضُعٍ لِتَقْفُو آثَارِكَ، وَالْتِزَامِ الْقِيمِ الَّتِي جَسَّدْتَهَا طَوَالَ حَيَاتِكَ.

شُكْراًلَكَ يَا أَبَتَا عَلَى خِدْمَتِكَ الْوَطَنِيَّةِ الْخَالِصَةِ لِمُورِيتَانِيَا. إِنَّ بَصْمَتَكَ فِي تَارِيخِهَا لَنْ تُمحى، وَسِيرَتُكَ سَتَظَلُّ مَنَارَةً تَهْدِينَا.

نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَتَغَمَّدَكَ بِرَحْمَتِهِ وَيُسْكِنَكَ فَسِيحَ جَنَّاتِهِ، فِرْدَوْسَهُ الْأَعْلَى، رَفِيقاً بِالصَّالِحِينَ مِنْ رِفَاقِ نِضَالِكَ فِي سَبِيلِ بِنَاءِ جُمْهُورِيَّتِنَا الإسْلَامِيَّةِ الْوَدُودَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ، الَّتِي نَعْتَزُّ بِهَا كُلَّ الِاعْتِزَازِ.

وَعَاشَتْ مُورِيتَانِيَا حُرَّةً مُسْتَقِلَّةً، فِي أُفْرِيقِيَّا مُتَّحِدَةٍ مُزْدَهِرَةٍ.

 

السيِّدَةُ المومنة بنت بُويَاغِي