الإسلام واستشراف المستقبل

اثنين, 03/14/2016 - 08:15

كان سيد قطب رحمه الله في كتابه "المستقبل لهذا الدين" يستشرف انتهاء فترة سيطرة الرجل الغربي على العالم لتتحقق هيمنة دين الإسلام على البشرية بسياسته وعقيدته وتصوراته، وقد كانت نظرة سيد قطب هذه هي السائدة لدى جماهير المفكرين الإسلاميين على اختلاف توجهاتهم العقدية والمنهجية والحزبية، فالانكسار العاجل للغرب وانتصار الإسلام ظلا كل تلك السنوات كالحقيقة الملموسة لدى الإسلاميين، حتى إن بعض أصحاب العجلة بالغ في التخرص فأعطى عددا تقريبياً للسنوات التي سيسقط خلالها الغرب ويتسلم المسلمون زمام الأمور.

ونحن اليوم ننظر إلى العالم من حَوْلِنا وقد مر أكثرُ من خمسين عاماً على تأليف ذلك الكتاب والصورة العامة للعالم لم تتغير رغم التبدل الكبير في التفاصيل الجزئية، فما زال الغرب هو صاحب السيطرة والغلبة على هذه الأرض سياسيا وعسكريا واقتصاديا وقِيَمِيَا، بل إن المشاعر الدينية التي تنامت بشدة في تسعينات القرن الهجري الماضي والعشر الأول من هذا القرن، لا أقول إنها بدأت في التراجع بل أقول إنها بدأت في التشتت والاختصام، الأمر المؤدي حتما إما إلى إضعافها أو إضعاف أثرها كما يقضي بذلك منطق قراءة الأحداث.

فهل أخطأ سيد قطب في قراءة الواقع ومن ثَمَّ حدث لديه الخلل في استشراف المستقبل؟

أم أنه أصاب في الأمرين معا والخطأ إنما هو الاستعجال حيث إن خمسين عاماً تُعدُّ زمنا يسيرا جدا في أعمار تجارب الأمم؟

رأيي أنه بالنسبة للزمن فليس قليلا في التجارب التاريخية في تغيرات القُوى والموازين السياسية، فكثيرا ما انقلبت موازين القوى في فترات أقل من ذلك بكثير، ولكن المشكلة في نظري تبدو في أمرين:

الأول قوة المؤامرة على الإسلام من قِبَل القوى المُهَيْمِنَة على العالم باعتباره منافسا حضاريا قويا لديه القدرة الذاتية على التغلغل في بلاد القوى الأخرى وضمها إلى ساحته دون الحاجة للآلة العسكرية التي تستخدمها الحضارات الأخرى عادة لفرض نفسها على العالم، ولدى الإسلام تجربة ثرية جدا في هذا حيث تعد الرقاع التي امتد فيها الإسلام بمؤهلاته الذاتية أكبر بكثير من الرقاع التي وصلها عبر الفتوحات العسكرية.

ثُمَّ المؤامرة على المسلمين باعتبارهم حملةَ هذا الإسلام وصورتَه التطبيقية أمام الآخر، والتي سوف يُسهم تناسقها ونضارتها في تقديمه بشكل أفضل للعالم ومن ثَمَّ مساعدته في اكتساح بلاد الحضارات الأخرى المُهَيْمِنة حاليا.

كُل ذلك في ظل غياب إستراتيجية إسلامية لتحقيق تقدم في سباق المنافسة العالمية على القوة والنفوذ في هذا العالم.

ذلك هو الأمر الأول من أمرين ساهما بشكل كبير في تأخر الاستشراف القائل بسقوط نفوذ الرجل الغربي على العالم وحلول الهيمنة الإسلامية بدلاً عنه .

أما الأمر الآخر فهو اختلاف المسلمين فيما بينهم في تحديد صورة الإسلام الصحيحة التي ينبغي أن يقدمها المسلمون للعالم وأن يبنوا إستراتيجياتهم للمنافسة على موازين القوى من خِلالها.

حقا إن هذا الاختلاف قديم بين المسلمين، وحقا أيضا إنه في قرون عديدة سادت صور مُختلفة من الإسلام سواء أكان ذلك سياسيا أم قِيَمِيَا، إلا أن الوضع في هذا العصر اختلف كثيرا عَمَّا مضى.

وتوضيح ذلك أن قائلا قد يقول: إن الإسلام بصورته السلفية ساد في عصر السلف أنفسهم وهو عصر الخلفاء الراشدين المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، حيث كانت هذه القيادات هم أكابر حَمَلَة الإسلام إلى الدُّنْيَا، كما كانت القيادة الفكرية لرعيتهم بيد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أخذوا الدين من مَعِيْنِه الصافي، كما ساد أيضاً في عصر الدولة الأموية وأول الدولة العباسية على يد أتباع السلف من أئمة أهل الحديث رحمهم الله.

ثم كانت سيادة الإسلام بعد ذلك على يد الأشاعرة في العهد السلجوقي والأيوبي، ثم كانت سيادة الإسلام على يد المتصوفة في العهد المملوكي والعثماني والعهد المغولي في الهند.

يقول القائل فاختلاف الممثل السياسي والفكري للإسلام لم يمنع من سيادته على مر العصور، كما لم يَمْنَع من تحقيقه انتصارات فكرية كما حصل حين توغل في إفريقيا وآسيا، وعسكرية كما حصل من توغله في أوروبا حين وصلت عساكر العثمانيين إلى فيينا.

فإذا كان هذا الأمر قد تحقق تاريخيا فما المانع أن يتحقق من جديد ويسود الإسلام في هذا العصر الحديث دون السؤال عمن يُمَثِّل الإسلام!

والجواب في تقديري أن العصور السالفة والتي ساد الإسلام فيها بمناهج مختلفة لم يكن فيها منافس حضاري قوي للمسلمين، فالمسلمون حتى في أشد أحوال ضعفهم العسكري أمام أعدائهم كانوا هم الأقوى قِيَمِيَاً وحضارياً، لذلك كانوا بالرغم من انهزامهم العسكري يُصَدِّرون حضارتهم في أثناء الهزيمة، فالانقلاب الأوروبي على ما يُسَمُّونه عصور الظلام بدأت طوالعه بعد الحروب الصليبية وتأثر الغرب بالمسلمين، والمغولُ الوثنيون اعتنقوا دين الأمة التي غزوها، نعم مرت فترة انتقالهم للدين الصحيح بدرجات من الاضطراب لكنهم في النهاية أصبحوا مسلمين، وقادوا لزمن الحضارة الإسلامية في الهند.

فغياب المنافس الحضاري كان هو السبب الرئيس وربما نقول الوحيد، في قدرة النماذج المختلفة للإسلام في تلك العصور على السيادة.

أما عصرنا الحاضر فالأمر ليس كذلك، فأوروبا حين دخلت إلى العالم الإسلامي في هذا العصر لم تكن كذلك اليوم الذي دخلت فيه أواخر القرن الخامس الهجري أمة جاهلة بربرية ليس لديها ما تُقَدِّمُه سوى السيف والدماء، بل دخلت إلى العالم أجمع وليس الإسلامي وحده وهي في أزهى صورها من حيث العلم والتقنية والآداب والفنون، لذلك استطاعت أن تُهَيْمن على العالم كله عسكريا، كما استطاعت أن تهيمن على مُعظمه حضارياً.

وهذه الصورة ما زالت ماثلة حتى اليوم فالغرب ما زال هو المتغلب عسكريا وسياسيا وحضاريا، وفي هذه الأثناء نتفهم جميعاً أنه لا يُمكن أن تكون للمسلمين السيادة عسكريا، أقصد من المنظور الواقعي، أما من المنظور القدري فربي سبحانه على كل شيء قدير وأمره بين الكاف والنون لا معقب لحكمه، وأما السيادة حضاريا فمسألة ممكنة جدا، بل قد يكون من ثِمَار السيادة الحضارية أن يسُود الإسلام وأهله في بلاد الغرب وتكون لهم الكلمة العليا هناك، ومن ثَمَّ تنقلب سيادة الغرب السياسية والعسكرية لصالح المسلمين، هذا الأمر ممكن جداً، وقد توقَعَه بعض مفكري الغرب أنفسهم من أمثال المفكر الألماني المسلم مراد هوفمان في كتابه الإسلام في الألفية الثالثة، حيث توقعَ أن تكون الانطلاقة الجديدة للإسلام من أوروبا لا من الشرق.

لكننا حين نُريد أن تكون السيادة الحضارية للإسلام على بلاد الغرب، فلا يمكن أن نُقَدِّم النموذج الخُرَافي للإسلام، الذي يؤمن بالخوارق، والقُدُرات الاستثنائية للأموات الصالحين، وطلب الحاجات من أصحاب القبور، وامتلاك أناس معينين البركات وقدرتهم على إضفائها على الآخرين أو حرمانهم منها، أو النموذج الجبري الاستسلامي الذي يرى أن الإسلام لا بد أن يتكيف مع الحياة كما هي فلا تتغير بسيادته على النفس والمجتمع معالم حياة الناس العريضة وتفاصيلها الدقيقة، فليس من إضافة لديه سوى الشهادتين والفرائض العملية، أما أثر ذلك على طبيعة حياة الأسرة والمجتمع فمحدود، فهذا النموذج لا يقدم نفسه للحياة على أنه يُكَيِّفُها ويُعيد صياغتها من جديد بكل جوانبها المعرفية والروحية والاقتصادية والاجتماعية، بل يقدم نفسه على أنه نموذج منهزم يستجدي الانتماء إليه استجداءً ولو على حساب أصوله وثوابته.

مثل هذه النماذج لا يُمكن تقديمها على أنها المُعبرة عن الإسلام في هذا العصر، لأنها في النهاية سوف تفشل في اجتذاب العقلية الأوروبية التي هي في الجملة متعطشة للتغيير، لكنها على كل حال لا تستطيع الاقتناع بنموذج مُصادِم لطبيعتها التي تكونت من جديد ابتداء من القرن السادس عشر الميلادي، طبيعة عقلانية تأنف الاستكانة.

بل إن هذه النماذج لم تَعُد قادرة حتى على اجتذاب المسلمين أنفسهم، فمن باب أولى أنها لا تستطيع اجتذاب غيرهم.

والحقيقة أن النموذج القادر على فرض نفسه حضارياً في عصر التنافس الحضاري هو الإسلام كما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكما فهمه عنه السلف الصالح رضي الله عنهم، وهو النموذج الذي حقق نجاحاً في فترة مماثلة لعصرنا تقريبا لا تحديدا، حيث ظهر الإسلام بين حضارتين منتصرتين ليس عسكرياً فقط، بل سياسيا وتقنيا ومعرفيا، واستطاع الانتصار عليهما بيسر وسهولة، ليس عسكريا أيضا، بل انتصر عليهما حضاريا، إذ لم تلبث الشعوب الخاضعة لهاتين الحضارتين أن اعتنقت الإسلام بملء إرادتها، لأن الإسلام كما جاء بِه الرسول صلى الله عليه وسلم يقدم من الرؤى والتصورات للكون والحياة والنفس والمجتمع ما يتغلب على كل الرؤى التي تمتلكها شعوب تلك الحضارات، لذلك لم تجد صعوبة في إلقاء ماضيها بعيداً عنها واعتناق الدين الجديد، وعصرنا حيث المنافس الحضاري القوي اليوم لن يجدي معه سوى تلك الرسالة الإسلامية الصحيحة، وطالما لم يُدرك المسلمون ذلك ولم يضعوا في حسبانهم أن العودة لمنهج السلف الصالح في فهم الدين وبسطه للآخرين هي الوسيلة الوحيدة للسيادة الحقيقية فسنبقى بعيدين عن الاستشراف الذي قدمه سيد قطب في كتابه المستقبل لهذا الدين.

 محمد السعيدي

elaph